طلب الزوجة التطليق للشقاق- استحقاق المتعة – لا

الطلاق

القرار عدد  433 الصادر بتاريخ 21 شتنبر 2010 في الملف عدد 2009/2/1/623

القاعدة:

-   لا تستحق المطلقة المتعة بل التعويض عند ثبوت مسؤولية الزوج عن الفراق.

-   المتعة لا يحكم بها إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بناء على طلب الزوج، أما في حالة التطليق للشقاق بناء على طلب الزوجة فإنه لا يحكم لها بالمتعة، وإنما يحكم لها بالتعويض بعد أن تثبت مسؤولية الزوج عن الفراق.

باسم جلالة الملك   

     حيث يستفاد من أوراق الملف ومن القرار المطعون فيه رقم 735 الصادر عن محكمة الاستئناف بوجدة بتاريخ 5 نونبر 2008 في الملف رقم 742/07، أن المدعية نعيمة تقدمت بواسطة دفاعها بمقال مسجل بتاريخ 2 فبراير 2007، أمام المحكمة الابتدائية بوجدة في مواجهة المدعى عليه عزوز، تعرض فيه أنها متزوجة به غير أنه منذ زواجهما وهو يسيء معاملتها ويقوم بضربها ويمنعها من زيارة عائلتها، وأنه استنادا إلى مقتضيات المواد 83 و 84 و 85 من مدونة الأسرة فإنها تلتمس: الحكم بتطليقها من المدعى عليه بسبب الشقاق، وبأدائه لها تعويضا قدره أربعون ألف درهم لكونه مسؤولا عن الفراق، وأدلت بوثائق. وأجاب المدعى عليه بأن ادعاءات المدعية باطلة تفتقر إلى الدليل، وأنه أعد لها سكنا جديدا ومستقلا عن عائلته وقد مكثت فيه أكثر من تسعة أشهر ثم غادرت بيت الزوجية بدون سبب، وقد رفع ضدها دعوى من أجل الرجوع إلى بيت الزوجية، وصدر حكم بذلك بتاريخ 19/04/2007 في الملف رقم 63/07 وأنها امتنعت من الرجوع إليه حسب محضر امتناع في ملف التنفيذ عدد 54/07، ملتمسا رفض الطلب، وأدلى بوثائق. وبعد إجراء محاولة الصلح بين الطرفين وفشله، تقدمت المدعية بواسطة دفاعها بتاريخ 6/8/2007 بطلب إضافي التمست فيه الحكم على المدعى عليه بأدائه لها نفقتها حسب 800 درهم شهريا ابتداء من تاريخ الإهمال 31/12/2006 إلى تاريخ الحكم بالتطليق، وبأدائه لها كالئ صداقها وقدره عشرة آلاف درهم، وتحديد مدة الإجبار في الأقصى مع النفاذ المعجل والصائر. وبعد انتهاء الإجراءات، قضت المحكمة بتاريخ 9/10/2007 في الملف رقم 307/07 بتطليق المدعية نعيمة من المدعى عليه عزوز طلقة بائنة للشقاق، وبأدائه لها مؤخر صداقها المحدد في 10.000 درهم، ومتعتها بحسب 8000 درهم وتكاليف سكناها حسب 1500 درهم ونفقتها حسب 350 درهما شهريا ابتداء من 1/1/2007 إلى تاريخ 17/5/2007، مع النفاذ المعجل والصائر، وبتوجيه ملخص هذا الحكم لضابط الحالة المدنية لمكان ازدياد الطرفين لاتخاذ المتعين. فاستأنفه الطرفان بواسطة دفاعهما، بحيث استأنفه المدعى عليه استئنافا أصليا في حين استأنفته المدعية استئنافا فرعيا. وبعد انتهاء الإجراءات، قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف. وهذا هو القرار المطلوب نقضه من طرف الطاعن بواسطة دفاعه، بمقال يتضمن وسيلتين أجاب عنه دفاع المطلوبة في النقض بمذكرة ترمي إلى رفض الطلب.

     فيما يتعلق بالمقطع الأول من الوسيلة الثانية المتخذة من خرق المادة 84 من مدونة الأسرة، ذلك أن الطاعن أثار بأن هذه المادة تنص على أنه يراعى في تقدير مستحقات الزوجة، فترة الزواج، والوضعية المادية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه، إلا أن المحكمة قد عممت الحديث عن مسؤولية التطليق دون الحديث عن أسباب ومسؤولية الزوجة في إيقاعه، لأن العارض لا مسؤولية له في النازلة، وقد أدلى بما يفيد امتناعها عن الرجوع لبيت الزوجية، ومع ذلك حكم لها بواجب المتعة المقدر في 8000 درهم مع أنها المسؤولة الوحيدة عن طلب التطليق، وما ادعته في جلسة الإصلاح يبقى مجردا عن الإثبات، والقرار المطعون فيه لما لم يجب عما أثاره الطاعن في شأن مسؤوليتها عن التطليق فإنه جاء غير معلل ومعرضا للنقض.

     حيث تبين صحة ما أثاره الطاعن في هذا المقطع من الوسيلة الثانية، ذلك أن المطلوبة قد طلبت في مقالها الرامي إلى التطليق بسبب الشقاق تعويضها بمبلغ 40.000 درهم باعتبار الطاعن هو المسؤول عن سبب الفراق، بينما قضت لها المحكمة بمتعة قدرها 8000 درهم، وأنه بمقتضى المادة 84 من مدونة الأسرة، فإن المتعة إنما يحكم بها في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بطلب الزوج، والمحكمة لما حكمت لها بالمتعة رغم أنها طلبت الحكم لها بالتعويض، ودون أن تحدد مسؤوليتة عن الفراق لترتب على ذلك التعويض المستحق لها عند الاقتضاء، فإنها تكون قد خرقت المادة المحتج بها، وعرضت قرارها للنقض جزئيا فيما ذكر.

     وحيث يعيب الطاعن في الوسيلة الأولى المتخذة من عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني وسوء التعليل، أن محكمة الاستئناف لم تجب عن الدفع كون المطلوبة في النقض قد تنازلت عن الدعوى التي التمست بمقتضاها الحكم لها بنفقتها عن الفترة ما قبل الطلاق، وأنه أدلى بنسخة حكم يفيد تنازلها عن تلك الفترة ومن ثم فإن المدة المحكوم لها بالنفقة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فضلا على أنه حكم لها بالصداق مع أنها أخذته تبعا للتنازل المذكور.

      لكن حيث إن التنازل المتمسك به من طرف الطاعن يتعلق بفترة تبتدئ من 22/6/2006، في حين أن الطاعن يقر أثناء جلسة البحث بأن زوجته خرجت من بيت الزوجية ابتداء من 1/1/2007، وهو التاريخ الذي اعتمدته محكمة الموضوع للحكم لها بنفقتها، وبالتالي فإن التنازل لا علاقة له بالمدة المحكوم بها، كما أن الطاعن لم يثبت أداء كالئ الصداق بحجة مقبولة، وأن الثابت كتابة لا يزول إلا بالكتابة، وأن التنازل لا يشير إلى براءة ذمته منه لذلك يبقى النعي غير مؤسس.

     وحيث يعيب الطاعن في المقطع الثاني من الوسيلة الثانية، بأنه مقتنع كون القضية ستحال على ابتدائية بركان، لعدم الاختصاص المكاني لابتدائية وجدة باعتبار أن بيت الزوجية يتواجد بمدينة السعيدية، وأن ما أدلت به المستأنف عليها من شهادة السكنى هو تحريف للحقيقة لأنها لا تسكن بمدينة وجدة وأن القرار المطعون فيه لم يجب على هذا الدفع لذلك يتعين نقضه.

     لكن حيث إنه من جهة قد صدر حكم بالتطليق للشقاق، وأنه استنادا إلى المادة 128 من مدونة الأسرة فإن المقررات القضائية الصادرة بالتطليق تكون غير قابلة لأي طعن في جزئها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية، ومن جهة أخرى فإن المحكمة مختصة استنادا إلى عقد الزواج المعتمد بدائرتها وشهادة السكنى المطلوبة المدلى بها في الملف، لذلك يبقى ما أثير غير مقبول في جزء منه وغير  مؤسس في الجزء الآخر.

لهذه الأسباب

       قضى المجلس الأعلى بنقض القرار المطعون فيه جزئيا فيما قضى به من متعة المطلوبة.

     السيد إبراهيم بحماني رئيسا، والسادة المستشارون: عبد الكبير فريد مقررا، وأحمد الحضري ومحمد ترابي وحسن منصف أعضاء، وبمحضر المحامي العام السيد عمر الدهراوي، وبمساعدة كاتبة الضبط السيدة فاطمة أوبهوش.

  • رجل قانون

    يتبين من الوقائع المعروضة في القرار موضوع التعليق الآتي بعده، أن السيدة (ن) رفعت بتاريخ 2 فبراير 2007 دعوى ضد السيد (ع)، عرضت من خلالها أنه منذ إبرام زواجهما: وهو يسيء معاملتها، ويقوم بضربها، ويمنعها من زيارة أهلها؛ ملتمسة استنادا للمواد 83 و84 و 85 من مدونة الأسرة، الحكم: بتطليقها من عصمته للشقاق، وبأدائه تعويضا قدره أربعون ألف درهم باعتباره مسؤولا عن الفراق. غير أن المدعى عليه دفع برفض الطلب على أساس، أن ادعاءات المدعية تفتقر للدليل، مفيدا أنه أعد لها مسكنا مستقلا عن عائلته، ومكثت فيه مدة تسعة أشهر إلى أن غادرته بدون سبب، مضيفا أنه صدر حكم بتاريخ 19 أبريل 2007 قضى برجوعها لبيت الزوجية، وامتنعت عن ذلك حسب ما يستفاد من محضر الامتناع. وأثناء سريان الدعوى تقدمت المدعية بطلب إضافي يروم الحكم لها بنفقتها ابتداء من 31 دجنبر 2006 إلى تاريخ الحكم بتطليقها بحسب 800 درهما للشهر، وبمؤخر الصداق المحدد في 10.000 درهم.
    وبعدما صدر الحكم الابتدائي بتاريخ 9 أكتوبر 2007، والذي قضى: بتطليق المدعية من المدعى عليه للشقاق، والحكم لها بمؤخر الصداق المذكور أعلاه، والمتعة بمقدار 8000 درهم، وتكاليف السكن بما قدره 1500 درهم، ونفقتها ابتداء من 1يناير2007 إلى 17 ماي 2007 بحسب 350 درهما في الشهر؛ قضت محكمة الاستئناف بوجدة بتاريخ 5 نونبر 2008 بتأييد الحكم المستأنف. ولقد طعن في هذا القرار أمام المجلس الأعلى من قبل المحكوم ضده، بدعوى أن محكمة الاستئناف لما أسست قرارها على المادة 84 من مدونة الأسرة، دون مراعاة فترة الزواج، والوضعية المادية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه، وعممت الحديث عن مسؤولية التطليق، دون ذكر أسباب ومسؤولية الزوجة في إيقاعه، والحال أنه أدلى بما يفيد امتناعها عن الرجوع لبيت الزوجية، وحكم لها رغم ذلك بمبلغ 8000 درهم كواجب للمتعة، مع أنها هي المسؤولة الوحيدة عن طلب التطليق؛ يكون قرارها غير معلل. فاقتنع المجلس الأعلى بقيام سبب الطعن هذا ، وأصدر قراره بتاريخ 21 شتنبر 2010 بنقض قرار محكمة الاستئناف في هذا الجزء، على أساس أنه لا يحكم بالمتعة وفقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بطلب الزوج، وأن المحكمة – محكمة الاستئناف- لما قضت للمطلقة بالمتعة، والحال أنها طلبت الحكم لها بالتعويض باعتبار أن الطاعن هو المسؤول عن الفراق، ودون أن تحدد مسؤولية هذا الأخير عن الفراق ليتسنى لها تحديد التعويض المستحق لها عند الاقتضاء؛ تكون قد خرقت مقتضيات المادة 84 أعلاه.
    ثالثا: المشكل القانوني:
    من خلال ما سبق سرده، يتضح أن المشكل القانوني الجوهري المثار في قرارنا يتصل بشروط استحقاق المتعة وفقا لمقتضيات المادة 84 من مدونة الأسرة، التي تتحدث عن مستحقات الزوجة_ وما يرتبط بها من مواد أخرى في المدونة_، إلا أن قراءة متأنية لحيثية القرار أعلاه تظهر إشكالا ثانويا يرتبط بما إذا كان يحكم بتلك المستحقات- وضمنها المتعة- بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم لا بد من تقديم طلب من المعنية بالأمر بخصوصها.
    بيد أنه قبل معالجة المشكل القانوني الذي أثاره المجلس الأعلى في قراره أعلاه، يبقى من المفيد التطرق لموقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة، لما في الأمر من ربط للنص بأصوله من جهة، ورفع للجهالة ولكل لبس قد يساهم في الافتئات على ذلك الفقه – عن علم أو عن غير علم- من جهة أخرى.
    وعليه، فإن تعليقنا سينصب على محورين كالتالي:
    المحور الأول: موقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة.
    المحور الثاني: شروط استحقاق المتعة في ظل مدونة الأسرة.
    المحور الأول: موقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة.
    من المعلوم أن المشرع المغربي أشار للمتعة بشكل صريح في المادة 84 من مدونة الأسرة في معرض بيانه لمشتملات مستحقات الزوجة، غير أنه لم يحدد تعريفا لها، وإنما أورد ضوابط تقديرها .
    وإذا نظرنا للمتعة من الزاوية اللغوية، يمكن القول حسب ابن منظور أنها: “مصدر لفعل متع (بتخفيف التاء)، ومتع الرجل ومتع(بضم التاء) جاد وظرف، وقيل: كل ما جاد فقد متع، وهو ماتع والماتع من كل شيء: البالغ في الجودة الغاية في بابه… وقد ذكر الله تعالى المتاع والتمتع والاستمتاع والتمتيع في مواضع من كتابه، ومعانيها وإن اختلفت راجعة إلى أصل واحد. قال الأزهري: فأما المتاع في الأصل فكل شيء ينتفع به ويتبلغ به، ويتزود والفناء يأتي عليه في الدنيا…ومتعة المرأة: ما وصلت به(بضم الواو) بعد الطلاق، وقد متعها”.
    وفي الاصطلاح الشرعي، فقد عرف بن جزي المتعة بأنها: “الإحسان إلى المطلقات حين الطلاق بما يقدر عليه المطلق بحسب ماله في القلة والكثرة” .
    وعرفها البعض بكونها: “الكسوة أو المال الذي يعطيه الزوج للمطلقة زيادة على الصداق أو بدلا عنه كما في المفوضة، لتطيب نفسها، ويعوضها عن ألم الفراق”. فيما عرفها الشافعية بأنها مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة في الحياة بطلاق أو ما في معناه. بشروط تأتي .
    وقبل التطرق لمختلف الآراء الفقهية بخصوص المتعة، تجدر الإشارة إلى أن الآيات التي تطرقت لموضوعها في القرآن الكريم، والتي شكلت سندا شرعيا، استنبطت منه مختلف المذاهب حجتها في اتخاذ هذا الرأي أو ذاك؛ انحصرت في أربع آيات، يمكن ذكرها كالآتي:
    يقول تعالى في محكم التنزيل:
    ” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين”.
    ويقول عز من قائل:
    ” وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير”.
    ويقول عز وجل:
    ” وللمطلقات متاعا بالمعروف حقا على المتقين”.
    ويقول في محكم ذكره:
    ” يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا”.
    وفي سياق استباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالمتعة من الآيات السالفة الذكر، اعتبر الحنفية أن المتعة قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة. فتجب في نوعين من الطلاق:
    أولا: الطلاق الذي يكون قبل الدخول والخلوة في زواج لم يسم فيه المهر(طلاق المفوضة)، ولا فرض بعده، أو كانت التسمية فيه فاسدة، لأن المتعة – في نظرهم- في هذه الحالة تعد بدلا عن نصف المهر، ونصف المهر واجب، وبدل الواجب واجب، لأنه يقوم مقامه، كالتيمم بدلا عن الوضوء. وسندهم في ذلك قوله تعالى: ” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن”، فالله سبحانه أمر هنا بالمتعة، والأمر يقتضي الوجوب، وتأكد في آخر الآية بقوله: “حقا على المحسنين”.
    ثانيا: الطلاق الذي يكون قبل الدخول في زواج لم يسم فيه المهر، وإنما فرض بعده، ودليلهم في ذلك قوله سبحانه: ” يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن”، والآية السابقة قبله” ومتعوهن”، فالآية الأولى أوجبت المتعة في كل المطلقات قبل الدخول، ثم خص منها من سمي لها مهر، فبقيت المطلقة التي لم يسم لها مهر، والآية الثانية أوجبت المتعة لمن لم يفرض لها فريضة، وهو منصرف إلى الفرض في العقد.
    وتستحب المتعة عند الحنفية في حالة الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية، اعتبارا لأن المتعة وجبت بدلا عن نصف المهر، فإذا استحقت المطلقة المسمى أو مهر المثل بعد الدخول، فلا داعي للمتعة.
    وقد سار الحنابلة وفق موقف الحنفية أعلاه، واعتبروا أن المتعة واجبة على كل زوج حر وعبد، مسلم وذمي، ولكل زوجة مفوضة، طلقت قبل الدخول، وقبل أن يفرض لها مهر، استنادا للآية المتقدمة ” ومتعوهن”، ولا يعارضه قوله تعالى ” حقا على المحسنين”، لأن أداء الواجب من الإحسان، فليس للمفوضة إلا المتعة.
    واعتبروها مستحبة لكل مطلقة، ما عدا المفوضة التي لم يفرض لها مهر، دليلهم في ذلك قوله تعالى: ” وللمطلقات متاع بالمعروف”، ولم تجب، لأن الله قسم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن، وهو يدل على اختصاص كل قسم بحكمه .
    وخلافا للموقف السابق، اعتبر الشافعية أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء أكان الطلاق قبل الدخول أم بعده، واستثنوا من ذلك المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فيكتفى لها بنصف المهر. وسندهم في ذلك قوله تعالى: “ومتعوهن”، وقوله أيضا:” وللمطلقات متاع بالمعروف”، فقد أوجب سبحانه المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مدخولا بها أم لا. وما يؤكد ذلك أمره تعالى نبيه الكريم بتمتيع زوجاته وقد كن مدخولا بهن، في قوله:” قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا”.
    وأما موقف المالكية من المتعة، فقد اعتبروها مستحبة لكل مطلقة، لقوله تعالى:”حقا على المتقين”، وقوله:” حقا على المحسنين”، ودليل الندب وعدم وجوبها عندهم هو القرائن التي ارتبطت بالأمر بالإمتاع، ويمكن إجمالها فيما يلي:
    أ‌- أن الله تعالى جعل المتعة حقا على المحسنين و المتقين، ولو كانت واجبة لجعلها حقا على جميع الناس، لأن الإحسان والتقوى ليسا بواجبين.
    ب‌- أن الله علق المتعة بهاتين الصفتين- أي التقوى والإحسان-، وهما خفيتان لا يعلم وجودهما في عباده غيره تعالى، فدل ذلك على عدم وجوبها.
    ت‌- أن المتعة غير مقدرة ولا معلومة، والفرائض لا بد أن تكون مقدرة معلومة.
    ث‌- أن المتعة عطية ومواساة، والمواساة في مرتبة التحسيني، فلا تبلغ مبلغ الوجوب.
    ج‌- أن الله تعالى نفى الجناح عن المطلق، ثم أثبت المتعة، فلو كانت المتعة واجبة لاتنقض نفي الجناح، والمراد بقوله تعالى “حقا”، الأمر الثابت المقابل للباطل، فيشمل المندوب.
    وقالوا بأن المطلقات ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فلها المتعة وليس لها شيء من الصداق، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية فلا متعة لها، ومطلقة بعد الدخول سواء كانت قبل التسمية أو بعدها، فلها المتعة، ولا متعة في كل فراق تختاره المرأة كامرأة المجنون والمجذوم والعنين، ولا في الفراق بالفسخ ولا المختلعة ولا الملاعنة، وقد اختلفوا بخصوص المملكة والمخيرة .
    ومحصلة ما سلف بيانه، أن الشافعية أوجبوا المتعة إلا للمطلقة قبل الدخول، في حين اعتبرها الجمهور مستحبة، بيد أن المالكية استحبوها لكل مطلقة، والحنفية والحنابلة استحبوها لكل مطلقة إلا المفوضة التي زوجت بدون مهر فتجب لها المتعة.
    وقد انبرى الفقيه الظاهري بن حزم للرد على من اعتبر أن المتعة قد سنت على وجه الندب والاستحباب، فبعد أن اعتبرها فرض على كل مطلق – سواء حصل الدخول أم لا، وسواء فرض للمطلقة صداق أم لا- وأوجبها للمختلعة، وبرهانه في ذلك قوله تعالى: “وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين”، حيث عمم عز وجل بموجب هذه الآية كل مطلقة، ولم يخص، وأوجبه حقا لها على كل متق يخاف الله تعالى؛ استرسل قائلا: “ومن عجائب الدنيا احتجاج من قلده لقولهم هذا، بأن الله تعالى إنما أوجبها على المتقين و المحسنين لا على غيرهم؟
    فقلنا لهم: فهبكم صادقين في ذلك أتوجبونها أنتم على من أوجبها الله تعالى عليه من المتقين والمحسنين أم لا؟ فإن قالوا: لا، أقروا بخلافهم لقول الله تعالى، وأبطلوا احتجاجهم المذكور، وإن قالوا نعم، تركوا مذهبهم.”
    وبخصوص كون المتعة فرض على المتقين والمحسنين – حسب من احتجوا بظاهر ما جاء في الآيتين أعلاه- أجاب الفقيه بن حزم بأن: ” كل مسلم هو على أديم الأرض، فهو بقوله لا إله إلا الله محمد رسول الله من جملة المتقين بقوله ذلك وإيمانه، ومن جملة المحسنين؛ ولله تعالى أن يخلده في النار إن لم يسلم، فكل مسلم في العالم فهو محسن متق من المحسنين المتقين، ولو لم يقع اسم محسن ومتق إلا على من يحسن ويتقي في كل أفعاله، لم يكن في الأرض محسن ولا متق بعد رسول الله صلى الله عليه، إذ لا بد لكل من دونه من تقصير وإساءة لم يكن فيها من المحسنين، ولا من المتقين. فكان على هذا يكون كلام الله تعالى: “حقا على المحسنين”، “حقا على المتقين”، فارغا ولغوا وباطلا، وهذا لا يحل لأحد أن يعتقده. ولا فرق بين قوله تعالى ” من المحسنين” و ” من المتقين” وبين قوله تعالى ” من المسلمين” و “من المؤمنين” والمعنى في كل ذلك واحد، ولا فرق.”
    ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف الفقهي، نشير إلى أن الغرض من بسط تلك التوجهات، لم يكن محض استعراض للأفكار، ولا حشوا غير مرغوب فيه، بل أملته عدة اعتبارات لعل أهمها التنبيه إلى فائدة اعتماد المقارنة بين المذاهب الفقهية، أو ما يصطلح عليه عند الأصوليين بالمذهبية المقارنة – والتي ما أحوجنا إليها اليوم-، بغرض انتقاء الأحكام الأكثر ملائمة للحياة الاجتماعية المعاصرة، مع مراعاة سند هذه الأحكام من الكتاب والسنة، مع الإشارة إلى أن الاختيار لا ينبغي أن يكون اعتباطيا، أو قائما على مجرد مجاراة عادات الناس وميولاتهم، وإنما يجب أن يؤخذ برأي هذا المذهب، أو ذاك على أساس قوة سنده.
    ولعمري إن ما ختمنا به هذا الجزء من رأي للفقيه بن حزم، يشكل وبحق مسلكا حريا بالتأييد، لقوة دليله ودقة حجته من جهة، ولانسجامه مع الحكمة من مشروعية المتعة من جهة أخرى، والمتمثلة في: تطييب خاطر المرأة، وتخفيف ألم الفراق بتعويضها عن إيحاشها بالفرقة التي حصلت بينها وبين زوجها، وإيجاد باعث للعودة إلى الزوجية إن لم تكن البينونة كبرى.
    فهل لقي هذا الرأي صدى لدى واضعي المدونة؟
    المحور الثاني: شروط استحقاق المتعة في ظل مدونة الأسرة.
    قبل التطرق لمناقشة موقف المجلس الأعلى في القرار موضوع التعليق على ضوء مدونة الأسرة(ب)، لا بأس من التذكير بالوضع الذي كان عليه تنظيم المتعة في مدونة الأحوال الشخصية؛ حتى يتسنى ربط الموضوع بسياقه التشريعي(أ).
    أ‌- متعة المطلقة في إطار مدونة الأحوال الشخصية:
    تطرق المشرع المغربي للمتعة إبان صدور مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957، وجعلها من المستحقات الواجبة للمطلقة في حالتين وهما: حالة الطلاق قبل البناء إذا لم تتم تسمية المهر للزوجة، وحالة الطلاق بعد البناء إذا كان الطلاق من جانب الزوج سواء كان الطلاق رجعيا أم بائنا، وبغض النظر عن البينونة صغرى كانت أم كبرى. وهكذا نص الفصل 60 من المدونة السابقة على ما يلي:
    ” يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول”.
    وقد كانت المتعة من بين المقتضيات التي طالتها التعديلات المدخلة على مدونة الأحوال الشخصية السابقة، بتاريخ 10 شتنبر 1993، حيث تمت إضافة فقرة ثانية تتعلق بضرورة مراعاة الضرر الحاصل للزوجة في تقدير المتعة، إذا كان الطلاق بدون مبرر مقبول من الزوج. وقد أصبح الفصل 52 مكرر بعد التعديل المذكور كما يلي:
    ” يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول.
    إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول تعين عليه أن يراعي عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوجة من أضرار”.
    وإذا كانت هذه الفقرة الأخيرة قد عكست بشكل بارز تأثر المشرع بالقواعد المعمول بها في مجال المسـؤولية التقصيرية، فإن تطبيق النظرية السابقة في ميـدان الطلاق – وكما ذهب إلى ذلك البعض- لم يكن يخلو من مشاكل كثيرة، لعل أبرزها إثبات كون الطلاق تم بدون مبرر مقبول.
    والظاهر أن أغلب شراح هذه النصوص، اعتبروا أن المشرع أخذ برأي الشافعية في الموضوع، ما دام أن الزوجة لا تستحق المتعة إذا كان الطلاق من جانبها، غير أن النظر بتمعن في حقيقة الأمر يسمح بالقول أن المشرع تبنى فعلا موقف الشافعية من المتعة، ولكن بشكل جزئي فقط، حيث إن الفقه الأخير لم يسقط المتعة على الزوجة إلا إذا كانت الفرقة بسببها، وشتان بين عبارتي من جانبها، وبسببها، حيث تبقى الزوجة مستحقة للمتعة – حسب الشافعية- إذا أثبتت الضرر مثلا في حالة التطليق للضرر، ولو كان طلب إنهاء العلاقة ظاهريا من جانبها.
    وعموما فقد لاقت المقتضيات السالفة الذكر عدة انتقادات من طرف بعض الدارسين ، باعتبار أنها تحرم الزوجة من المتعة، في الحالات التي تكون فيها المبادرة بالطلاق من قبلها، كما في التمليك والخلع والتخيير… مع العلم أنه في هذه الحالات الأخيرة، وإن كانت المبادرة صادرة عن المرأة أو القاضي من الناحية الشكلية؛ فإن السبب قد يعود للرجل كما في حالة الإضرر بالزوجة والعنف وعدم الإنفاق والإيلاء…
    وقد اعتبر الدكتور الخمليشي من جانبه أنه: كان على القضاء المغربي إقرار حق المرأة في المتعة في حالة التطليق القضائي، قياسا على حالة الطلاق المنصوص عليها أعلاه، ما دام أن المشرع خالف في هذا النص الذي أوجب الحكم بالمتعة المذهب المالكي، الذي اعتبرها مستحبة.
    ب‌- متعة المطلقة في إطار مدونة الأسرة:
    تطرق المشرع المغربي للمتعة في المادة 84 من مدونة الأسرة في معرض تحديده لمشتملات مستحقات الزوجة، وأورد في نفس المادة أربعة ضوابط لتقديرها تتمثل في: فترة الزواج، والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيع الطلاق.
    وتجدر الإشارة إلى أنه تمت الإحالة على مقتضيات المادة 84 أعلاه في المادة 97 المتعلقة بمضمون الحكم الصادر بالتطليق للشقاق، وكـذا بموجب المادة 113 المنظمة لدعاوى التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 وهي: التطليق لإخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج، والضرر، وعدم الإنفاق، والغيبة، والعيب، والإيلاء والهجر، والمادة 89 المتعلقة بالتمليك.
    ولقد أثارت المقتضيات السالفة الذكر نقاشا في أوساط المهتمين بدراسة مدونة الأسرة، حيث تركز جزء منه حول معرفة المطلقات المستحقات للمتعة، وما مدى تأثير مسؤولية الزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية على استحقاقها للمتعة؟ في حين ارتبط الجزء الآخر بمدى إمكانية الجمع بين المتعة والتعويض عن الضرر للمطلقة، وما إذا كانت المستحقات- وضمنها المتعة- يحكم بها بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم لا بد من طلبها من طرف الزوجة؟
    ولا شك أن القــرار موضـوع التعليــق أثـار جانبا من الجدل السـابق، بإقــراره في صلب حيثياته: بأنه لا يتم الحكم بالمتعة طبقا لمقتضى المادة 84 من مدونة الأسرة، إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بناء على طلب الزوج، في حين لا يحكم بها في حالة التطليق للشقاق بناء على طلب الزوجة، وإنما يحكم لها بالتعويض بعد أن تثبت مسؤولية الزوج عن الفراق.
    فهل توفق المجلس الأعلى من خلال قراره السابق في إعطاء قراءة سليمة للمقصود بالمتعة في ظل المادة 84 من مدونة الأسرة؟
    إن الانطلاق من النظرة الضيقة للأمور، وبالتالي من المادة 84 وحدها لا يسعفنا في إيجاد الجواب الشافي على السؤال المطروح، غير أن العبرة بالمنظور الشمولي للقانون (مدونة الأسرة)، الذي يأخذ في الحسبان علاقة أجزاء(مواد) القانون ببعضها البعض لا الجزء(المادة) في حد ذاته.
    والانطلاق من هذه النظرة الشمولية للقانون تسمح لنا بالقول، إن الفهم الواعي للمادة السابقة لن يتحقق إلا بالنظر لما تضمنته المواد 89 و97 و113 من نفس المدونة والتي أحالت على المادة 84 التي تتحدث عن مستحقات الزوجة بصفة عامة، ومن ضمنها المتعة بطبيعة الحال. والنتيجة أن المطلقة تستحق المتعة ليس فقط عند إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق، بل كذلك في الحالات الأخرى، ونقصد التطليق للشقاق بصريح المادة 97، والتطليق بناء على أحد الأسباب الواردة في المادة 98 من المدونة وهي: إخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج، و الضرر، وعدم الإنفاق، والغيبة، والعيب، والإيلاء، والهجر، وكذا في التمليك.
    ورب معترض يقول إن مقتضيات المادة 84 وردت في القسم الثالث من الباب الثاني من الكتاب الثاني، الذي يتضمن المواد المتعلقة بالطلاق الذي يطلب الزوج الإذن له به، ولا يتعلق بالتطليق الذي تطلبه الزوجة أو الزوج، ومن ضمنها التطليق للشقاق.
    الواقع أن هذا الاعتراض لا يصمد لسبب بسيط وهو: أن المشرع عند إشارته لضوابط تقدير المتعة، كان بصدد الحديث عن الطلاق الذي يمارسه الزوج، ومن المنطقي جدا أن تأتي الصياغة متناسبة مع هذا النوع من الطلاق، ولنفرض جدلا أننا سلمنا بصحة هذا الرأي، فهل يجب الحكم على الزوج بأداء المتعة في الحالة التي يكون فيها هو المبادر إلى طلب التطليق للشقاق؟
    إن اعتماد المقاربة السابقة في التحليل، ستؤدي حتما إلى الإجابة بالنفي، ما دام أن المتعة مذكورة فقط في القسم المتعلق بالطلاق.
    أليس هذا مما لا يقبله عقل ولا يستسيغه منطق!
    وإضافة للتبرير المار بنا أعلاه، نشير إلى أن الغاية التي من أجلها تقررت مسطرة التطليق للشقاق في مدونة الأسرة- والتي تنسجم مع روح وفلسفة المدونة عموما- تكمن أساسا في رفع الحيف عن المرأة في إنهائها للعلاقة الزوجية لصعوبة إثبات الضرر ، فكيف تصبح الوسيلة التي أحدثت لمصلحتها وبالا عليها؟ أوليس إقرار المشرع من خلال المادة 101 من المدونة لحق المطلقة في الحصول على التعويض عن الضرر، يجعل استحقاقها للمتعة من باب أولى؟
    وقد نذهب بعيدا، ونساءل المنطق السابق للمجلس الأعلى، الذي اعتبر أن المتعة لا يحكم بها إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بطلب الزوج- والحيثية هنا عامة تشمل الطلاق الذي يتم بإرادة من الزوجة(التمليك)، وكذا كل أنواع التطليق التي تتم بمبادرة منها، ولا تقتصر على التطليق للشقاق – عن السند الذي استمد منه هذا الاستنتاج، فهل كل طلاق أو تطليق تقدمت به الزوجة، يبرر حرمانها من الحق في المتعة، حتى ولو ثبت للمحكمة أن الزوجة لا يد لها في الفرقة، وأن الزوج هو من دفعها لطلبها؟
    لا شك أن تحليلا مثل هذا لا يجافي فقط المنطق السليم للأمور، بل يوجد كذلك على طرفي نقيض من الحكمة التي شرعت من أجلها المتعة.
    وفي ظل هذا السياق الأخير، ذهب البعض إلى القول: بأن قواعد العدل والإنصاف، تقتضي أنه لا يجب تمتيع المطلقة في التطليق للشقاق، حينما تكون هي المسؤولة عن حدوث الفراق والمتسببة فيه.
    الحقيقة أن هذا الأمر كان سيكون منطقيا لو أن المشرع ربط استحقاق المطلقة للمتعة في الطلاق، الذي يطلب الزوج الإذن له به من المحكمة بأن يكون غير مبرر، ولا تتحمل الزوجة مسؤوليته، أما وأن المطلقة في حالتنا هذه تستحق المتعة سواء كان الطلاق مبررا أو غير مبرر، وسواء كان المتسبب فيه الزوج أو الزوجة، أم هما معا- ولا تأثير لدور الزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية إلا في تقدير المتعة المحكوم بها فقط- فإن الحجة على القول السابق تبدو ضعيفة.
    وما يؤكد هذا الطرح هو تمييز المشرع نفسه في المادة 97 بين المتعة المحال عليها من خلال الإشارة للمادة 84، والتعويض المرتبط بمسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق، وهو ما يقدم دليلا إضافيا على عدم صوابية موقف المجلس الأعلى السابق.
    بقي أن نشير إلى إشكال آخر طرحه القرار موضوع التعليق، والذي نستشفه في ثناياه، ويتعلق الأمر بما إذا كانت المحكمة تحكم بالمستحقات – وضمنها المتعة – بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم يتوقف الأمر على تقديم طلب من الزوجة المعنية ؟
    من خلال قراءة متأنية لمواد المدونة، نخلص إلى أن الحكم بالمستحقات المتعلقة بالزوجة، وكذا الأولاد يستند إلى أساس قانوني، ولا يتوقف على طلب الأطراف، فالمحكمة ملزمة بقوة القانون بتحديد تلك المستحقات بناء على ضوابط محددة ، وهذا ما يظهر من خلال العبارات المستعملة من طرف المشرع من قبيل: تحكم بالتطليق وبالمستحقات..، حددت المحكمة مبلغا يودعه الزوج… لأداء مستحقات الزوجة والأطفال…
    كما أن الدور الحمائي لقضاء الأسرة يجعله من طينة خاصة، يروم بالأساس تحقيق مقاصد المدونة، وهو ما يجيز له عدم التقيد ببعض المبادئ المعتد بها في بعض القوانين الأخرى.
    إذا ثبت ما سبق، قلنا إن فهم حقيقة المتعة في ظل مدونة الأسرة، لن يستقيم إلا باعتماد قراءة فاحصة وشمولية للنصوص ذات الصلة بها في المدونة من جهة، وربط تلك النصوص بتطورها التاريخي وبفلسفة وروح النص من جهة أخرى، مع استحضار الرأي الفقهي الذي يعطي للسند الشرعي للمتعة مدلولا ينسجم والحكمة منها، على أساس قوة المنطق، ورجحان الدليل.

    مكانة قرار المجلس الأعلى في سياق الاجتهادات القضائية:
    من خلال الأحكام التي تمكنا من الاطلاع عليها، يتضح أن القضاء المغربي استقر على إقرار أحقية المطلقة في المتعة بغض النظر عن نوع الطلاق أو التطليق، وعن من هو المبادر لرفع الدعوى هل هو الزوج أم الزوجة.
    وعلى سبيل المثال، جاء في قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 07/05/2008 ما يلي: ” المحكوم بتطليقها للشقاق لا تحرم من حقها في المتعة، التي تعتبر من الحقوق الثابتة للمطلقة بغض النظر عن نوع الطلاق أو التطليق، وبذلك يكون القرار المطعون فيه على صواب فيما قضى به من متعة للمطلقة”.
    وفي قرار آخر أكثر جرأة ذهب المجلس الأعلى إلى القول بأحقية المطلقة بالمتعة والتعويض عن الضرر في إطار المادة 101 من مدونة الأسرة، ومما جاء فيه نورد الآتي: ” حيث صح ما نعته الوسيلة، ذلك أن الحق في المتعة والسكنى أثناء العدة من مستحقات الزوجة المترتبة عن الطلاق أو التطليق، وهي مستمدة من مقتضيات المادة 84 من مدونة الأسرة، والتي لا يجب أن تختلط بالتعويض المحكوم به عن الضرر الناتج عن التطليق للضرر المنصوص عليه بالمادة 101 من نفس القانون، إذ أن كلا من المستحقات المذكورة مستقلة في تقديرها استنادا إلى معايير وأسس مختلفة، ولا يترتب عن الحكم بإحداها فقدان الحق في الأخرى، والمحكمة لما قضت برفض طلب المتعة وواجب السكنى خلال العدة بعلة امتناع الجمع بينها وبين الحكم عن الضرر الناتج عن التطليق للضرر، تكون قد خرقت الفصلين المحتج بهما، وعرضت قرارها للنقض في هذا الشق من قضائها”.
    ولا مراء في أن هذا الاتجاه محمود ينبغي السير على هديه، لأن فيه من جهة تكريسا لغاية ورغبة المشرع المتمثلة في رفع الحيف عن المطلقات، وتدعيما لدور القضاء الأسري في حماية تلك الغاية، وما ذلك بعزيز على قضاء أريد له أن يكون عنوان العدل والإنصاف…
    والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
    الرباط في 20 ماي 2011

    حسن إبراهيمــــــــي
    باحث في القانون الدولي الخاص وقانون الأسرة

  • رجل قانون

    يتبين من الوقائع المعروضة في القرار موضوع التعليق الآتي بعده، أن السيدة (ن) رفعت بتاريخ 2 فبراير 2007 دعوى ضد السيد (ع)، عرضت من خلالها أنه منذ إبرام زواجهما: وهو يسيء معاملتها، ويقوم بضربها، ويمنعها من زيارة أهلها؛ ملتمسة استنادا للمواد 83 و84 و 85 من مدونة الأسرة، الحكم: بتطليقها من عصمته للشقاق، وبأدائه تعويضا قدره أربعون ألف درهم باعتباره مسؤولا عن الفراق. غير أن المدعى عليه دفع برفض الطلب على أساس، أن ادعاءات المدعية تفتقر للدليل، مفيدا أنه أعد لها مسكنا مستقلا عن عائلته، ومكثت فيه مدة تسعة أشهر إلى أن غادرته بدون سبب، مضيفا أنه صدر حكم بتاريخ 19 أبريل 2007 قضى برجوعها لبيت الزوجية، وامتنعت عن ذلك حسب ما يستفاد من محضر الامتناع. وأثناء سريان الدعوى تقدمت المدعية بطلب إضافي يروم الحكم لها بنفقتها ابتداء من 31 دجنبر 2006 إلى تاريخ الحكم بتطليقها بحسب 800 درهما للشهر، وبمؤخر الصداق المحدد في 10.000 درهم.
    وبعدما صدر الحكم الابتدائي بتاريخ 9 أكتوبر 2007، والذي قضى: بتطليق المدعية من المدعى عليه للشقاق، والحكم لها بمؤخر الصداق المذكور أعلاه، والمتعة بمقدار 8000 درهم، وتكاليف السكن بما قدره 1500 درهم، ونفقتها ابتداء من 1يناير2007 إلى 17 ماي 2007 بحسب 350 درهما في الشهر؛ قضت محكمة الاستئناف بوجدة بتاريخ 5 نونبر 2008 بتأييد الحكم المستأنف. ولقد طعن في هذا القرار أمام المجلس الأعلى من قبل المحكوم ضده، بدعوى أن محكمة الاستئناف لما أسست قرارها على المادة 84 من مدونة الأسرة، دون مراعاة فترة الزواج، والوضعية المادية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه، وعممت الحديث عن مسؤولية التطليق، دون ذكر أسباب ومسؤولية الزوجة في إيقاعه، والحال أنه أدلى بما يفيد امتناعها عن الرجوع لبيت الزوجية، وحكم لها رغم ذلك بمبلغ 8000 درهم كواجب للمتعة، مع أنها هي المسؤولة الوحيدة عن طلب التطليق؛ يكون قرارها غير معلل. فاقتنع المجلس الأعلى بقيام سبب الطعن هذا ، وأصدر قراره بتاريخ 21 شتنبر 2010 بنقض قرار محكمة الاستئناف في هذا الجزء، على أساس أنه لا يحكم بالمتعة وفقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بطلب الزوج، وأن المحكمة – محكمة الاستئناف- لما قضت للمطلقة بالمتعة، والحال أنها طلبت الحكم لها بالتعويض باعتبار أن الطاعن هو المسؤول عن الفراق، ودون أن تحدد مسؤولية هذا الأخير عن الفراق ليتسنى لها تحديد التعويض المستحق لها عند الاقتضاء؛ تكون قد خرقت مقتضيات المادة 84 أعلاه.
    ثالثا: المشكل القانوني:
    من خلال ما سبق سرده، يتضح أن المشكل القانوني الجوهري المثار في قرارنا يتصل بشروط استحقاق المتعة وفقا لمقتضيات المادة 84 من مدونة الأسرة، التي تتحدث عن مستحقات الزوجة_ وما يرتبط بها من مواد أخرى في المدونة_، إلا أن قراءة متأنية لحيثية القرار أعلاه تظهر إشكالا ثانويا يرتبط بما إذا كان يحكم بتلك المستحقات- وضمنها المتعة- بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم لا بد من تقديم طلب من المعنية بالأمر بخصوصها.
    بيد أنه قبل معالجة المشكل القانوني الذي أثاره المجلس الأعلى في قراره أعلاه، يبقى من المفيد التطرق لموقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة، لما في الأمر من ربط للنص بأصوله من جهة، ورفع للجهالة ولكل لبس قد يساهم في الافتئات على ذلك الفقه – عن علم أو عن غير علم- من جهة أخرى.
    وعليه، فإن تعليقنا سينصب على محورين كالتالي:
    المحور الأول: موقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة.
    المحور الثاني: شروط استحقاق المتعة في ظل مدونة الأسرة.
    المحور الأول: موقف الفقه الإسلامي من متعة المطلقة.
    من المعلوم أن المشرع المغربي أشار للمتعة بشكل صريح في المادة 84 من مدونة الأسرة في معرض بيانه لمشتملات مستحقات الزوجة، غير أنه لم يحدد تعريفا لها، وإنما أورد ضوابط تقديرها .
    وإذا نظرنا للمتعة من الزاوية اللغوية، يمكن القول حسب ابن منظور أنها: “مصدر لفعل متع (بتخفيف التاء)، ومتع الرجل ومتع(بضم التاء) جاد وظرف، وقيل: كل ما جاد فقد متع، وهو ماتع والماتع من كل شيء: البالغ في الجودة الغاية في بابه… وقد ذكر الله تعالى المتاع والتمتع والاستمتاع والتمتيع في مواضع من كتابه، ومعانيها وإن اختلفت راجعة إلى أصل واحد. قال الأزهري: فأما المتاع في الأصل فكل شيء ينتفع به ويتبلغ به، ويتزود والفناء يأتي عليه في الدنيا…ومتعة المرأة: ما وصلت به(بضم الواو) بعد الطلاق، وقد متعها”.
    وفي الاصطلاح الشرعي، فقد عرف بن جزي المتعة بأنها: “الإحسان إلى المطلقات حين الطلاق بما يقدر عليه المطلق بحسب ماله في القلة والكثرة” .
    وعرفها البعض بكونها: “الكسوة أو المال الذي يعطيه الزوج للمطلقة زيادة على الصداق أو بدلا عنه كما في المفوضة، لتطيب نفسها، ويعوضها عن ألم الفراق”. فيما عرفها الشافعية بأنها مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المفارقة في الحياة بطلاق أو ما في معناه. بشروط تأتي .
    وقبل التطرق لمختلف الآراء الفقهية بخصوص المتعة، تجدر الإشارة إلى أن الآيات التي تطرقت لموضوعها في القرآن الكريم، والتي شكلت سندا شرعيا، استنبطت منه مختلف المذاهب حجتها في اتخاذ هذا الرأي أو ذاك؛ انحصرت في أربع آيات، يمكن ذكرها كالآتي:
    يقول تعالى في محكم التنزيل:
    ” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين”.
    ويقول عز من قائل:
    ” وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير”.
    ويقول عز وجل:
    ” وللمطلقات متاعا بالمعروف حقا على المتقين”.
    ويقول في محكم ذكره:
    ” يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا”.
    وفي سياق استباط الأحكام الشرعية المتعلقة بالمتعة من الآيات السالفة الذكر، اعتبر الحنفية أن المتعة قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة. فتجب في نوعين من الطلاق:
    أولا: الطلاق الذي يكون قبل الدخول والخلوة في زواج لم يسم فيه المهر(طلاق المفوضة)، ولا فرض بعده، أو كانت التسمية فيه فاسدة، لأن المتعة – في نظرهم- في هذه الحالة تعد بدلا عن نصف المهر، ونصف المهر واجب، وبدل الواجب واجب، لأنه يقوم مقامه، كالتيمم بدلا عن الوضوء. وسندهم في ذلك قوله تعالى: ” لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن”، فالله سبحانه أمر هنا بالمتعة، والأمر يقتضي الوجوب، وتأكد في آخر الآية بقوله: “حقا على المحسنين”.
    ثانيا: الطلاق الذي يكون قبل الدخول في زواج لم يسم فيه المهر، وإنما فرض بعده، ودليلهم في ذلك قوله سبحانه: ” يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن”، والآية السابقة قبله” ومتعوهن”، فالآية الأولى أوجبت المتعة في كل المطلقات قبل الدخول، ثم خص منها من سمي لها مهر، فبقيت المطلقة التي لم يسم لها مهر، والآية الثانية أوجبت المتعة لمن لم يفرض لها فريضة، وهو منصرف إلى الفرض في العقد.
    وتستحب المتعة عند الحنفية في حالة الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية، اعتبارا لأن المتعة وجبت بدلا عن نصف المهر، فإذا استحقت المطلقة المسمى أو مهر المثل بعد الدخول، فلا داعي للمتعة.
    وقد سار الحنابلة وفق موقف الحنفية أعلاه، واعتبروا أن المتعة واجبة على كل زوج حر وعبد، مسلم وذمي، ولكل زوجة مفوضة، طلقت قبل الدخول، وقبل أن يفرض لها مهر، استنادا للآية المتقدمة ” ومتعوهن”، ولا يعارضه قوله تعالى ” حقا على المحسنين”، لأن أداء الواجب من الإحسان، فليس للمفوضة إلا المتعة.
    واعتبروها مستحبة لكل مطلقة، ما عدا المفوضة التي لم يفرض لها مهر، دليلهم في ذلك قوله تعالى: ” وللمطلقات متاع بالمعروف”، ولم تجب، لأن الله قسم المطلقات قسمين، وأوجب المتعة لغير المفروض لهن، ونصف المسمى للمفروض لهن، وهو يدل على اختصاص كل قسم بحكمه .
    وخلافا للموقف السابق، اعتبر الشافعية أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء أكان الطلاق قبل الدخول أم بعده، واستثنوا من ذلك المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، فيكتفى لها بنصف المهر. وسندهم في ذلك قوله تعالى: “ومتعوهن”، وقوله أيضا:” وللمطلقات متاع بالمعروف”، فقد أوجب سبحانه المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مدخولا بها أم لا. وما يؤكد ذلك أمره تعالى نبيه الكريم بتمتيع زوجاته وقد كن مدخولا بهن، في قوله:” قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا”.
    وأما موقف المالكية من المتعة، فقد اعتبروها مستحبة لكل مطلقة، لقوله تعالى:”حقا على المتقين”، وقوله:” حقا على المحسنين”، ودليل الندب وعدم وجوبها عندهم هو القرائن التي ارتبطت بالأمر بالإمتاع، ويمكن إجمالها فيما يلي:
    أ‌- أن الله تعالى جعل المتعة حقا على المحسنين و المتقين، ولو كانت واجبة لجعلها حقا على جميع الناس، لأن الإحسان والتقوى ليسا بواجبين.
    ب‌- أن الله علق المتعة بهاتين الصفتين- أي التقوى والإحسان-، وهما خفيتان لا يعلم وجودهما في عباده غيره تعالى، فدل ذلك على عدم وجوبها.
    ت‌- أن المتعة غير مقدرة ولا معلومة، والفرائض لا بد أن تكون مقدرة معلومة.
    ث‌- أن المتعة عطية ومواساة، والمواساة في مرتبة التحسيني، فلا تبلغ مبلغ الوجوب.
    ج‌- أن الله تعالى نفى الجناح عن المطلق، ثم أثبت المتعة، فلو كانت المتعة واجبة لاتنقض نفي الجناح، والمراد بقوله تعالى “حقا”، الأمر الثابت المقابل للباطل، فيشمل المندوب.
    وقالوا بأن المطلقات ثلاثة أقسام: مطلقة قبل الدخول وقبل التسمية فلها المتعة وليس لها شيء من الصداق، ومطلقة قبل الدخول وبعد التسمية فلا متعة لها، ومطلقة بعد الدخول سواء كانت قبل التسمية أو بعدها، فلها المتعة، ولا متعة في كل فراق تختاره المرأة كامرأة المجنون والمجذوم والعنين، ولا في الفراق بالفسخ ولا المختلعة ولا الملاعنة، وقد اختلفوا بخصوص المملكة والمخيرة .
    ومحصلة ما سلف بيانه، أن الشافعية أوجبوا المتعة إلا للمطلقة قبل الدخول، في حين اعتبرها الجمهور مستحبة، بيد أن المالكية استحبوها لكل مطلقة، والحنفية والحنابلة استحبوها لكل مطلقة إلا المفوضة التي زوجت بدون مهر فتجب لها المتعة.
    وقد انبرى الفقيه الظاهري بن حزم للرد على من اعتبر أن المتعة قد سنت على وجه الندب والاستحباب، فبعد أن اعتبرها فرض على كل مطلق – سواء حصل الدخول أم لا، وسواء فرض للمطلقة صداق أم لا- وأوجبها للمختلعة، وبرهانه في ذلك قوله تعالى: “وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين”، حيث عمم عز وجل بموجب هذه الآية كل مطلقة، ولم يخص، وأوجبه حقا لها على كل متق يخاف الله تعالى؛ استرسل قائلا: “ومن عجائب الدنيا احتجاج من قلده لقولهم هذا، بأن الله تعالى إنما أوجبها على المتقين و المحسنين لا على غيرهم؟
    فقلنا لهم: فهبكم صادقين في ذلك أتوجبونها أنتم على من أوجبها الله تعالى عليه من المتقين والمحسنين أم لا؟ فإن قالوا: لا، أقروا بخلافهم لقول الله تعالى، وأبطلوا احتجاجهم المذكور، وإن قالوا نعم، تركوا مذهبهم.”
    وبخصوص كون المتعة فرض على المتقين والمحسنين – حسب من احتجوا بظاهر ما جاء في الآيتين أعلاه- أجاب الفقيه بن حزم بأن: ” كل مسلم هو على أديم الأرض، فهو بقوله لا إله إلا الله محمد رسول الله من جملة المتقين بقوله ذلك وإيمانه، ومن جملة المحسنين؛ ولله تعالى أن يخلده في النار إن لم يسلم، فكل مسلم في العالم فهو محسن متق من المحسنين المتقين، ولو لم يقع اسم محسن ومتق إلا على من يحسن ويتقي في كل أفعاله، لم يكن في الأرض محسن ولا متق بعد رسول الله صلى الله عليه، إذ لا بد لكل من دونه من تقصير وإساءة لم يكن فيها من المحسنين، ولا من المتقين. فكان على هذا يكون كلام الله تعالى: “حقا على المحسنين”، “حقا على المتقين”، فارغا ولغوا وباطلا، وهذا لا يحل لأحد أن يعتقده. ولا فرق بين قوله تعالى ” من المحسنين” و ” من المتقين” وبين قوله تعالى ” من المسلمين” و “من المؤمنين” والمعنى في كل ذلك واحد، ولا فرق.”
    ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف الفقهي، نشير إلى أن الغرض من بسط تلك التوجهات، لم يكن محض استعراض للأفكار، ولا حشوا غير مرغوب فيه، بل أملته عدة اعتبارات لعل أهمها التنبيه إلى فائدة اعتماد المقارنة بين المذاهب الفقهية، أو ما يصطلح عليه عند الأصوليين بالمذهبية المقارنة – والتي ما أحوجنا إليها اليوم-، بغرض انتقاء الأحكام الأكثر ملائمة للحياة الاجتماعية المعاصرة، مع مراعاة سند هذه الأحكام من الكتاب والسنة، مع الإشارة إلى أن الاختيار لا ينبغي أن يكون اعتباطيا، أو قائما على مجرد مجاراة عادات الناس وميولاتهم، وإنما يجب أن يؤخذ برأي هذا المذهب، أو ذاك على أساس قوة سنده.
    ولعمري إن ما ختمنا به هذا الجزء من رأي للفقيه بن حزم، يشكل وبحق مسلكا حريا بالتأييد، لقوة دليله ودقة حجته من جهة، ولانسجامه مع الحكمة من مشروعية المتعة من جهة أخرى، والمتمثلة في: تطييب خاطر المرأة، وتخفيف ألم الفراق بتعويضها عن إيحاشها بالفرقة التي حصلت بينها وبين زوجها، وإيجاد باعث للعودة إلى الزوجية إن لم تكن البينونة كبرى.
    فهل لقي هذا الرأي صدى لدى واضعي المدونة؟
    المحور الثاني: شروط استحقاق المتعة في ظل مدونة الأسرة.
    قبل التطرق لمناقشة موقف المجلس الأعلى في القرار موضوع التعليق على ضوء مدونة الأسرة(ب)، لا بأس من التذكير بالوضع الذي كان عليه تنظيم المتعة في مدونة الأحوال الشخصية؛ حتى يتسنى ربط الموضوع بسياقه التشريعي(أ).
    أ‌- متعة المطلقة في إطار مدونة الأحوال الشخصية:
    تطرق المشرع المغربي للمتعة إبان صدور مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957، وجعلها من المستحقات الواجبة للمطلقة في حالتين وهما: حالة الطلاق قبل البناء إذا لم تتم تسمية المهر للزوجة، وحالة الطلاق بعد البناء إذا كان الطلاق من جانب الزوج سواء كان الطلاق رجعيا أم بائنا، وبغض النظر عن البينونة صغرى كانت أم كبرى. وهكذا نص الفصل 60 من المدونة السابقة على ما يلي:
    ” يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول”.
    وقد كانت المتعة من بين المقتضيات التي طالتها التعديلات المدخلة على مدونة الأحوال الشخصية السابقة، بتاريخ 10 شتنبر 1993، حيث تمت إضافة فقرة ثانية تتعلق بضرورة مراعاة الضرر الحاصل للزوجة في تقدير المتعة، إذا كان الطلاق بدون مبرر مقبول من الزوج. وقد أصبح الفصل 52 مكرر بعد التعديل المذكور كما يلي:
    ” يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول.
    إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول تعين عليه أن يراعي عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوجة من أضرار”.
    وإذا كانت هذه الفقرة الأخيرة قد عكست بشكل بارز تأثر المشرع بالقواعد المعمول بها في مجال المسـؤولية التقصيرية، فإن تطبيق النظرية السابقة في ميـدان الطلاق – وكما ذهب إلى ذلك البعض- لم يكن يخلو من مشاكل كثيرة، لعل أبرزها إثبات كون الطلاق تم بدون مبرر مقبول.
    والظاهر أن أغلب شراح هذه النصوص، اعتبروا أن المشرع أخذ برأي الشافعية في الموضوع، ما دام أن الزوجة لا تستحق المتعة إذا كان الطلاق من جانبها، غير أن النظر بتمعن في حقيقة الأمر يسمح بالقول أن المشرع تبنى فعلا موقف الشافعية من المتعة، ولكن بشكل جزئي فقط، حيث إن الفقه الأخير لم يسقط المتعة على الزوجة إلا إذا كانت الفرقة بسببها، وشتان بين عبارتي من جانبها، وبسببها، حيث تبقى الزوجة مستحقة للمتعة – حسب الشافعية- إذا أثبتت الضرر مثلا في حالة التطليق للضرر، ولو كان طلب إنهاء العلاقة ظاهريا من جانبها.
    وعموما فقد لاقت المقتضيات السالفة الذكر عدة انتقادات من طرف بعض الدارسين ، باعتبار أنها تحرم الزوجة من المتعة، في الحالات التي تكون فيها المبادرة بالطلاق من قبلها، كما في التمليك والخلع والتخيير… مع العلم أنه في هذه الحالات الأخيرة، وإن كانت المبادرة صادرة عن المرأة أو القاضي من الناحية الشكلية؛ فإن السبب قد يعود للرجل كما في حالة الإضرر بالزوجة والعنف وعدم الإنفاق والإيلاء…
    وقد اعتبر الدكتور الخمليشي من جانبه أنه: كان على القضاء المغربي إقرار حق المرأة في المتعة في حالة التطليق القضائي، قياسا على حالة الطلاق المنصوص عليها أعلاه، ما دام أن المشرع خالف في هذا النص الذي أوجب الحكم بالمتعة المذهب المالكي، الذي اعتبرها مستحبة.
    ب‌- متعة المطلقة في إطار مدونة الأسرة:
    تطرق المشرع المغربي للمتعة في المادة 84 من مدونة الأسرة في معرض تحديده لمشتملات مستحقات الزوجة، وأورد في نفس المادة أربعة ضوابط لتقديرها تتمثل في: فترة الزواج، والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيع الطلاق.
    وتجدر الإشارة إلى أنه تمت الإحالة على مقتضيات المادة 84 أعلاه في المادة 97 المتعلقة بمضمون الحكم الصادر بالتطليق للشقاق، وكـذا بموجب المادة 113 المنظمة لدعاوى التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 وهي: التطليق لإخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج، والضرر، وعدم الإنفاق، والغيبة، والعيب، والإيلاء والهجر، والمادة 89 المتعلقة بالتمليك.
    ولقد أثارت المقتضيات السالفة الذكر نقاشا في أوساط المهتمين بدراسة مدونة الأسرة، حيث تركز جزء منه حول معرفة المطلقات المستحقات للمتعة، وما مدى تأثير مسؤولية الزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية على استحقاقها للمتعة؟ في حين ارتبط الجزء الآخر بمدى إمكانية الجمع بين المتعة والتعويض عن الضرر للمطلقة، وما إذا كانت المستحقات- وضمنها المتعة- يحكم بها بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم لا بد من طلبها من طرف الزوجة؟
    ولا شك أن القــرار موضـوع التعليــق أثـار جانبا من الجدل السـابق، بإقــراره في صلب حيثياته: بأنه لا يتم الحكم بالمتعة طبقا لمقتضى المادة 84 من مدونة الأسرة، إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بناء على طلب الزوج، في حين لا يحكم بها في حالة التطليق للشقاق بناء على طلب الزوجة، وإنما يحكم لها بالتعويض بعد أن تثبت مسؤولية الزوج عن الفراق.
    فهل توفق المجلس الأعلى من خلال قراره السابق في إعطاء قراءة سليمة للمقصود بالمتعة في ظل المادة 84 من مدونة الأسرة؟
    إن الانطلاق من النظرة الضيقة للأمور، وبالتالي من المادة 84 وحدها لا يسعفنا في إيجاد الجواب الشافي على السؤال المطروح، غير أن العبرة بالمنظور الشمولي للقانون (مدونة الأسرة)، الذي يأخذ في الحسبان علاقة أجزاء(مواد) القانون ببعضها البعض لا الجزء(المادة) في حد ذاته.
    والانطلاق من هذه النظرة الشمولية للقانون تسمح لنا بالقول، إن الفهم الواعي للمادة السابقة لن يتحقق إلا بالنظر لما تضمنته المواد 89 و97 و113 من نفس المدونة والتي أحالت على المادة 84 التي تتحدث عن مستحقات الزوجة بصفة عامة، ومن ضمنها المتعة بطبيعة الحال. والنتيجة أن المطلقة تستحق المتعة ليس فقط عند إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق، بل كذلك في الحالات الأخرى، ونقصد التطليق للشقاق بصريح المادة 97، والتطليق بناء على أحد الأسباب الواردة في المادة 98 من المدونة وهي: إخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج، و الضرر، وعدم الإنفاق، والغيبة، والعيب، والإيلاء، والهجر، وكذا في التمليك.
    ورب معترض يقول إن مقتضيات المادة 84 وردت في القسم الثالث من الباب الثاني من الكتاب الثاني، الذي يتضمن المواد المتعلقة بالطلاق الذي يطلب الزوج الإذن له به، ولا يتعلق بالتطليق الذي تطلبه الزوجة أو الزوج، ومن ضمنها التطليق للشقاق.
    الواقع أن هذا الاعتراض لا يصمد لسبب بسيط وهو: أن المشرع عند إشارته لضوابط تقدير المتعة، كان بصدد الحديث عن الطلاق الذي يمارسه الزوج، ومن المنطقي جدا أن تأتي الصياغة متناسبة مع هذا النوع من الطلاق، ولنفرض جدلا أننا سلمنا بصحة هذا الرأي، فهل يجب الحكم على الزوج بأداء المتعة في الحالة التي يكون فيها هو المبادر إلى طلب التطليق للشقاق؟
    إن اعتماد المقاربة السابقة في التحليل، ستؤدي حتما إلى الإجابة بالنفي، ما دام أن المتعة مذكورة فقط في القسم المتعلق بالطلاق.
    أليس هذا مما لا يقبله عقل ولا يستسيغه منطق!
    وإضافة للتبرير المار بنا أعلاه، نشير إلى أن الغاية التي من أجلها تقررت مسطرة التطليق للشقاق في مدونة الأسرة- والتي تنسجم مع روح وفلسفة المدونة عموما- تكمن أساسا في رفع الحيف عن المرأة في إنهائها للعلاقة الزوجية لصعوبة إثبات الضرر ، فكيف تصبح الوسيلة التي أحدثت لمصلحتها وبالا عليها؟ أوليس إقرار المشرع من خلال المادة 101 من المدونة لحق المطلقة في الحصول على التعويض عن الضرر، يجعل استحقاقها للمتعة من باب أولى؟
    وقد نذهب بعيدا، ونساءل المنطق السابق للمجلس الأعلى، الذي اعتبر أن المتعة لا يحكم بها إلا في حالة الطلاق أو التطليق الذي يتم بطلب الزوج- والحيثية هنا عامة تشمل الطلاق الذي يتم بإرادة من الزوجة(التمليك)، وكذا كل أنواع التطليق التي تتم بمبادرة منها، ولا تقتصر على التطليق للشقاق – عن السند الذي استمد منه هذا الاستنتاج، فهل كل طلاق أو تطليق تقدمت به الزوجة، يبرر حرمانها من الحق في المتعة، حتى ولو ثبت للمحكمة أن الزوجة لا يد لها في الفرقة، وأن الزوج هو من دفعها لطلبها؟
    لا شك أن تحليلا مثل هذا لا يجافي فقط المنطق السليم للأمور، بل يوجد كذلك على طرفي نقيض من الحكمة التي شرعت من أجلها المتعة.
    وفي ظل هذا السياق الأخير، ذهب البعض إلى القول: بأن قواعد العدل والإنصاف، تقتضي أنه لا يجب تمتيع المطلقة في التطليق للشقاق، حينما تكون هي المسؤولة عن حدوث الفراق والمتسببة فيه.
    الحقيقة أن هذا الأمر كان سيكون منطقيا لو أن المشرع ربط استحقاق المطلقة للمتعة في الطلاق، الذي يطلب الزوج الإذن له به من المحكمة بأن يكون غير مبرر، ولا تتحمل الزوجة مسؤوليته، أما وأن المطلقة في حالتنا هذه تستحق المتعة سواء كان الطلاق مبررا أو غير مبرر، وسواء كان المتسبب فيه الزوج أو الزوجة، أم هما معا- ولا تأثير لدور الزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية إلا في تقدير المتعة المحكوم بها فقط- فإن الحجة على القول السابق تبدو ضعيفة.
    وما يؤكد هذا الطرح هو تمييز المشرع نفسه في المادة 97 بين المتعة المحال عليها من خلال الإشارة للمادة 84، والتعويض المرتبط بمسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق، وهو ما يقدم دليلا إضافيا على عدم صوابية موقف المجلس الأعلى السابق.
    بقي أن نشير إلى إشكال آخر طرحه القرار موضوع التعليق، والذي نستشفه في ثناياه، ويتعلق الأمر بما إذا كانت المحكمة تحكم بالمستحقات – وضمنها المتعة – بمجرد التصريح بإنهاء العلاقة الزوجية، أم يتوقف الأمر على تقديم طلب من الزوجة المعنية ؟
    من خلال قراءة متأنية لمواد المدونة، نخلص إلى أن الحكم بالمستحقات المتعلقة بالزوجة، وكذا الأولاد يستند إلى أساس قانوني، ولا يتوقف على طلب الأطراف، فالمحكمة ملزمة بقوة القانون بتحديد تلك المستحقات بناء على ضوابط محددة ، وهذا ما يظهر من خلال العبارات المستعملة من طرف المشرع من قبيل: تحكم بالتطليق وبالمستحقات..، حددت المحكمة مبلغا يودعه الزوج… لأداء مستحقات الزوجة والأطفال…
    كما أن الدور الحمائي لقضاء الأسرة يجعله من طينة خاصة، يروم بالأساس تحقيق مقاصد المدونة، وهو ما يجيز له عدم التقيد ببعض المبادئ المعتد بها في بعض القوانين الأخرى.
    إذا ثبت ما سبق، قلنا إن فهم حقيقة المتعة في ظل مدونة الأسرة، لن يستقيم إلا باعتماد قراءة فاحصة وشمولية للنصوص ذات الصلة بها في المدونة من جهة، وربط تلك النصوص بتطورها التاريخي وبفلسفة وروح النص من جهة أخرى، مع استحضار الرأي الفقهي الذي يعطي للسند الشرعي للمتعة مدلولا ينسجم والحكمة منها، على أساس قوة المنطق، ورجحان الدليل.

    مكانة قرار المجلس الأعلى في سياق الاجتهادات القضائية:
    من خلال الأحكام التي تمكنا من الاطلاع عليها، يتضح أن القضاء المغربي استقر على إقرار أحقية المطلقة في المتعة بغض النظر عن نوع الطلاق أو التطليق، وعن من هو المبادر لرفع الدعوى هل هو الزوج أم الزوجة.
    وعلى سبيل المثال، جاء في قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 07/05/2008 ما يلي: ” المحكوم بتطليقها للشقاق لا تحرم من حقها في المتعة، التي تعتبر من الحقوق الثابتة للمطلقة بغض النظر عن نوع الطلاق أو التطليق، وبذلك يكون القرار المطعون فيه على صواب فيما قضى به من متعة للمطلقة”.
    وفي قرار آخر أكثر جرأة ذهب المجلس الأعلى إلى القول بأحقية المطلقة بالمتعة والتعويض عن الضرر في إطار المادة 101 من مدونة الأسرة، ومما جاء فيه نورد الآتي: ” حيث صح ما نعته الوسيلة، ذلك أن الحق في المتعة والسكنى أثناء العدة من مستحقات الزوجة المترتبة عن الطلاق أو التطليق، وهي مستمدة من مقتضيات المادة 84 من مدونة الأسرة، والتي لا يجب أن تختلط بالتعويض المحكوم به عن الضرر الناتج عن التطليق للضرر المنصوص عليه بالمادة 101 من نفس القانون، إذ أن كلا من المستحقات المذكورة مستقلة في تقديرها استنادا إلى معايير وأسس مختلفة، ولا يترتب عن الحكم بإحداها فقدان الحق في الأخرى، والمحكمة لما قضت برفض طلب المتعة وواجب السكنى خلال العدة بعلة امتناع الجمع بينها وبين الحكم عن الضرر الناتج عن التطليق للضرر، تكون قد خرقت الفصلين المحتج بهما، وعرضت قرارها للنقض في هذا الشق من قضائها”.
    ولا مراء في أن هذا الاتجاه محمود ينبغي السير على هديه، لأن فيه من جهة تكريسا لغاية ورغبة المشرع المتمثلة في رفع الحيف عن المطلقات، وتدعيما لدور القضاء الأسري في حماية تلك الغاية، وما ذلك بعزيز على قضاء أريد له أن يكون عنوان العدل والإنصاف…
    والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
    الرباط في 20 ماي 2011

    حسن إبراهيمــــــــي
    باحث في القانون الدولي الخاص وقانون الأسرة

جميع الحقوق محفوظة © 2014 محكمتي.
تعريب وتطوير ووردبريس بالعربي
تصميم دبليو إتش هب