تقديم علاجات مدرسية – تضرر التلميذ – مسؤولية الدولة – نظرية المخاطر

القرار رقم 346

الصادر فـي 26 نوفمبـر 1979

القــاعدة:

الفصل 79 من ق.ل.ع. يقرر مسؤولية الدولة في حالتين اثنتين مختلفتين أولاهما إذا نتج الضرر مباشرة عن التسيير الإداري لمصالحها ومرافقها الأخرى وثانيهما إذا نشأ الضرر نتيجة أخطاء مصلحية ارتكبها مستخدموها.

 حينما صرحت محكمة الموضوع بأن مسؤولية الدولة لا تقوم على الخطأ تكون قد ركزت قضاءها على الحالة الأولى المبنية على نظرية تحمل المخاطر.

إن محكمة الموضوع قد استعملت سلطتها في تقييم الحجج وانتهت إلى أن هناك علاقة سببية بين تناول الطفل لأقراص الفنازيل بالمدرسة والضرر الذي أدى إلى فقدان البصر

إن محكمة الموضوع التي هي غير ملزمة بتتبع الخصوم في جميع مناحي أقوالهم تكون قد رفضت ضمنيا العمل بالنظرية القائلة بوجوب تحمل الضرر الخفيف في سبيل جلب المنفعة العامة خصوصا وأن الضرر موضوع الدعوى ـ فقد البصر ـ لا يمكن اعتباره خفيفا.

 

باسم جــلالة المـلك

بناء على العريضة المرفوعة بتاريخ 22 ماي 1976 من طرف الطالب المذكور حوله والرامية إلى نقض قرار محكمة الاستئناف بالرباط الصادر بتاريخ 23 شتنبر 1975 في الملف عدد 05119 .

وبناء على الأوراق الأخرى المدلى بها في الملف .

وبناء على قانون المسطرة المدنية وبالأخص فصوله 353 وما بعده والفقرة الأخيرة من فصله 362 .

وبناء على الأمر بالتخلي والإبلاغ الصادر بتاريخ 13 فبراير 1979 .

وبناء على الإعلام بتعيين القضية في الجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 9 نونبر 1979.

وبناء على المناداة على الطرفين ومن ينوب عنهما وعدم حضورهم .

وبعد الاستماع بهذه الجلسة إلى المستشار المقرر السيد عمر التازي في تقريره وإلى ملاحظات المحامي العام السيد عبد القادر المذكوري .

وبعد المداولة طبقا للقانون.

فيما يخص الوسيلة الأولى.

حيث يستفاد من أوراق الملف ومن محتويات القرار المطعون فيه (محكمة الاستئناف بالرباط 23 شتنبر1975) أن الزويند حمو تقدم أمام المحكمة الإقليمية سابقا بالرباط بمقال يعرض فيه أن المسؤولين عن المدرسة الواقعة بشارع لبنان بالرباط كانوا يطعمون التلاميذ ومنهم ابنه القاصر عبدالناصر ـ أقراصا من مادة الفانازيل وقاية لمرض معدي ظهرت إصابات منه خلال سنة 1967 في بعض الأوساط المدرسية غير أن هذا الدواء قد تسبب لطفله المذكور في نوع من القروح خصوصا في عينيه وتفاقمت حالته إلى أن فقد البصر من عينه اليسرى لذا فإنه يحمل الدولة وبعض موظفيها العموميين التابعين للمدرسة وللمصلحة الصحية والمدرسة البكاري ثورية والطيب محمد، وهداج فاطمة ومحمد بنبراهيم طبيب رئيس المصلحة الصحية المدرسية ويطلب الحكم بتعويض مسبق قدره أربعون ألف درهم وعرض ابنه المصاب على طبيب أخصائي في أمراض العيون وانتهت المسطرة هاته بحكم ابتدائي قضى بإلغاء الدعوى لعدم ثبوت العلاقة السببية بين المرض الذي أصاب الطفل  وتناوله أقراص الفنازيل ثم في المرحلة الاستئنافية عرض ابن الطالب من جديد على الطبيب لافون أخصائي آخر في نفس المرض فأثبت تلك العلاقة وحدد العجز النهائي الذي لحق الطفل الذي فقد في هذه الفترة حتى عينه اليمنى فأجاب العون القضائي نيابة عن الدولة أن تناول أقراص الفنازيل لم يكن هوالسبب الوحيد للإصابات التي تعرض لها الطفل في عينيه فقد يحدث ذلك بسبب استعداده الصحي وربما بسبب عوامل وراثية وأخيرا تقدم الطرف المدعى بطلب مفصل لسائر التعويضات المتعلقة بالضرر عن الألم والتشويه والحرمان من التمتع والتعليم وبلغ مجموعها 950000 درهم وقررت محكمة الاستئناف إلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد بمسؤولية الدولة عما لحق طفل المدعى من أضرار وحكمت له بتعويض حددته في ثلاثين ألف درهم بعدما ظهر لها أن القدر المطلوب كان مبالغا فيه.

حيث تعيب طالبة النقض الدولة على القرار المطعون فيه خرقه للفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود وفقدانه للأساس القانوني ذلك أنه قضى بإقرار مسؤولية الدولة في النازلة رغم عدم وجود أي خطأ نسب إلى مصالحها وعدم وجود أية علاقة سببية بين خطأ غير ثابت والضرر المشتكى منه وارتكزت محكمة الاستئناف على نظرية المخاطر فقط في حين كان عليها أن تبحث عن مسؤولية الدولة في إطار الفصل 79 المذكور الذي يتطلب توفر عنصر الخطأ في سير الرفق العمومي أدى مباشرة إلى وقوع الضرر وفي النازلة لم يرتكب أي خطأ يمكن نسبته إلى أعوان الصحة العمومية عندما عرضوا أقراص الفنازيل على تلاميذ المدارس ولم يثبت أن تناول تلك الأقراص من طرف الطفل المصاب قد أدى إلى الضرر الذي لحقه أوهناك من الوثائق الطبية والتقارير التي تفيد بذلك .

لكن من جهة حيث إنه بالرجوع إلى الفصل 79 المدعى خرقه نجده يقرر مسؤولية الدولة والبلديات في حالتين اثنتين مختلفتين الأولى إذا نتجت الأضرار مباشرة عن تسيير إدارتها والثانية إذا نشأت نتيجة أخطاء مصلحية ارتكبها مستخدموها ولقد أبعد القرار المطعون فيه الحالة الثانية حيث صرح: ” وحيث إن مسؤولية الدولة وإن كانت هنا لا تقوم على الخطأ.”

وركز قضاءه على ما يفهم من الفصل 79 في الحالة الأولى أي إذا كان الضرر نتيجة مباشرة عن سير المصالح العمومية وتلك هي نظرية المخاطر التي أقامت عليها محكمة الاستئناف وعن صواب مسؤولية الدولة في هذه الدعوى .

ومن جهة أخرى فإن المحكمة لها السلطة التقديرية في تقييم الحجج المعروضة عليها وانتهت بعد تقديرها لجميع الوثائق الطبية المدرجة بالملف أن هناك علاقة سببية بين تناول الطفل للأقراص الفنازيل بالمدرسة والضرر الذي أدى إلى إفقاد بصره مما تكون معه الوسيلة غير مرتكزة على أساس.

وفيما يخص الوسيلة الثانية:

حيث تعيب الطاعنة على محكمة الاستئناف التناقض في قرارها وعدم الجواب على مذكرة أدلت بها بتاريخ ثاني يونيو 1970 ذلك أنها من جهة ذكرت أن تقرير الدكتور لافون الذي جاء مخالفا للفصل 59 من قانون المسطرة المدنية لا يلزمها ثم عادت وصادقت على نظرية هذا الأخير وأقرت مسؤولية الدولة بدون خطأ ومن جهة أخرى فإن قضاة الاستئناف سكتوا عن دفع طالبة النقض الهادف إلى وجوب تحمل الضرر الخفيف في سبيل جلب المنفعة العامة وبالفعل فإن حالة الضحية المشتكى تعد حالة فريدة من نوعها ضمن الآلاف من زملائه الذين تناولوا جميعا من الأقراص أثناء الحملة الوطنية لمكافحة وباء الالتهاب الفجائي ولم يصب أي واحد منهم بمثل ما أصيب به الطفل المذكور.

لكن حيث إنه خلافا لما تدعيه الطالبة فلم يسبق للمحكمة أن صرحت في تعليل قرارها المطعون فيه أنها غير ملزمة بما ورد في تقرير الدكتور لافون المعين لفحص الطفل المصاب بل ذكرت أنها لم تأخذ بالجوانب التي يكون الطبيب المذكور قد تجاوز فيها النقط الخاصة بالمهمة المنوطة به حسب القرار التمهيدي الذي أمره بإجراء خبرته .

وحيث إن الطالبة لم تبين في وسيلتها وجه خرق الفصل 59 من لدن الطبيب لافون خصوصا وأن هذا النص يحتوي على مقتضيات مختلفة ويتعين بالتالي عدم قبول الجزء من الوسيلة الخاصة بالمخالفة المدلى بها .

ومن جهة ثالثة فإن محكمة الاستئناف، التي لم تكن ملزمة بتتبع الأطراف في جميع أقوالهم، تكون قد رفضت ضمنيا العمل بنظرية الطالبة الرامية إلى وجوب تحمل الضرر الخفيف في سبيل جلب المنفعة العامة خصوصا وأن الضرر المشار إليه لا يمكن اعتباره خفيفا بالنسبة للطفل الذي تكبده مما تكون معه الوسيلة بدون تأثير في هذا الصدد.

لهذه الأسبــاب

قضى المجلس الأعلى برفض الطلب.

وبه صدر الحكم بالجلسة العلنية المنعقدة بالتاريخ المذكور أعلاه في قاعة الجلسات العادية بالمجلس الأعلى بالرباط وكانت الهيئة الحاكمة متركبة من السادة رئيس الغرفة الإدارية مكسيم أزولاي والمستشارون : عبد اللطيف التازي وعمر التازي، ومحمد زين العابدين بنبراهيم، وعبد الكريم الحمياني ختات وبمحضر المحامي العام السيد عبد القادر المذكوري وبمساعدة كاتب الضبط السيد محمد كصوان .

 

رئيس الغرفـة            المستشار المقـرر      كاتب الضبـط

‎اضف رد