مدى امكانية الحكم بالبراءة في جميع حالات سقوط الدعوى العمومية

 

 

                               

 

     مدى امكانية الحكم بالبراءة في جميع حالات سقوط الدعوى العمومية

                                                                                            بقلم: المعطي الجبوجي

 

 

مقتطف من تعليل الحكم موضوع التعليق

          ـ”  وحيث إن توافر العناصر الكافية للتصريح بالبراءة يجعل إثارة الدفع بالتقادم من طرف المحكمة تلقائيا باعتباره من متعلقات النظام العام أو من طرف مؤازر المتهم لا معنى له  مادام أن التقادم يلحق الجريمة بعد ثبوتها، والحال أنه ليس في هذه النازلة ما يفيد ثبوت الأفعال في حق المتهم الثاني، مما ارتأت معه المحكمة التصريح بالبراءة بدل التصريح بالتقادم ” .

هذه الحيثية مقتطفة من حكم جنحي تلبسي صادر عن ابتدائية تطوان وهي تعالج نقطة أساسية ومهمة حول مدى جواز الحكم بالبراءة في جميع حالات سقوط الدعوى العمومية.

          فالمادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تنص على أنه ”  تسقط الدعوى العمومية بموت المتهم و بالتقادم و بالعفو الشامل و بإلغاء القانون الجنائي و بصدور حكم سابق لا تعقيب فيه “. وأضاف ظهير 8/10/77 العفو الخاص.

ويمكن علاوة على ذلك أن تسقط الدعوى العمومية بإبرام مصالحة إذا كان القانون ينص على ذلك بوجه صريح و كذا الشأن في  حالة سحب الشكاية إن كانت شرطا لازما للمتابعة ”

والنص هنا واضح في كون حدوث سبب من هذه الأسباب يؤدي بالنتيجة إلى التصريح بسقوط الدعوى العمومية، فالأسباب الستة الأولى التي  عددتها المادة هي أسباب عامة للسقوط تمس كافة الجرائم إذ بقيامها تسقط الدعوى العمومية بالنسبة لأية جريمة كانت. أما الأسباب التي أوردها المشرع في الفقرة الثانية وهي الصلح وسحب الشكاية فهي أسباب خاصة تهم نوعا معينا من الجرائم كالخيانة الزوجية والسرقة بين الأقارب.  ومبعث طرح التساؤل موضوع هذا التعليق هو كون أغلب العمل القضائي يسير في اتجاه التصريح بسقوط الدعوى العمومية بكيفية أتوماتيكية دون الاعتداد بآثار هذا الحكم من جهة، وبالتالي البحث عن مصلحة المشبوه فيه، إذ القول ببراءته أفيد له من القول بسقوط الدعوى العمومية في حقه، ومن جهة ثانية إعمال القواعد القانونية التي تساير هذا المنحى ومنها مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 381 من قانون المسطرة الجنائية والتي جاء فيها ”  إذا كان الفعل غير منسوب إلى الظنين، أو لم تكن له صفة مخالفة للقانون الجنائي، فإن المحكمة تصدر حكما بالبراءة وتصرح بعدم اختصاصها للبت في الدعوى المدنية وتبت ــ إن اقتضى الحال ــ في طلب التعويض عن الأضرار الذي يقدمه الظنين ضد المطالب بالحق المدني.

 غير انه اذا كان الحكم بالبراءة مدعما بأحد أسباب سقوط الدعوى العمومية المبينة في  الفصل 3 فإن المحكمة تبقى  مختصة وفقا للفصل 12، للبت في الدعوى المدنية ضمن الشروط المقررة في  الفصل 380  ”

فالذي يؤخذ من صياغة هذه المادة أنه يجوز للمحكمة أن تحكم بالبراءة وتبقى أسباب سقوط الدعوى العمومية فقط مدعمة لهذا الحكم. وإلى هذا يشير الدكتور محمد عياط وهو يناقش إمكانية التصريح بالبراءة لموت المتهم بالقول ” وقد سار الإجتهادان الفرنسي والمصري إلى إمكانية التصريح ببراءة المتهم المتوفى فيما لو تأكد فعلا لدى المحكمة وذلك حفاظا على حسن ذكراه ورعيا لمصلحة ورثته، ويبدو أن المشرع المغربي لا يستبعد مطلقا وجهة النظر هاته (لاحظ الفصل 381 القرة الثانية ) ” . ويناقش الدكتور الخمليشي هذه المسألة عند حديثه عن سقوط الدعوى العمومية للتقادم بقوله ” نعم إذا كانت المحكمة عند تحقق التقادم لديها متوفرة على العناصر الكافية للبراءة فإنها تحكم بها بدل التصريح بالتقادم سيما اذا كانت البراءة قائمة على أساس أن الأفعال المنسوبة إلى المتهم لا تكون جريمة يعاقب عليا القانون الجنائي، لأنه في هذه الحالة لا يكون هناك معنى للتصريح بتقادم أفعال لا تشكل جريمة، والتقادم إنما يلحق الجرائم لا الأفعال الأخرى غير الجنائية وإن توبع عنها غلطا، وسبق أن أشرنا إلى جواز الحكم بالبراءة في جميع حالات سقوط الدعوى العمومية ” .

وعلى ذكر المشرع المصري، تجدر الإشارة هنا أن المادة 312 عقوبات تقضي انه إذا توافر سبب من أسباب سقوط الدعوى العمومية يؤول إلى الحكم بالبراءة، وهو حكم صادر في موضوع الدعوى العمومية . وهذا الأمر مختلف تماما عما نتحدث عنه من حيث المبدأ والنتيجة . فالوضعية بالنسبة للقانون المغربي أن أسباب سقوط الدعوى العمومية تعتبر أسباب منهية لها وهي بالتالي ليست فاصلة قي موضوعها لأن المحكمة عندما صرحت بالسقوط لم تتناول دراسة الوقائع ولا تكييفها وإنما بتصريحها بالسقوط تكون فقط قد أنهت إجراءات المتابعة . فالتصريح بالسقوط لوفاة المتهم مثلا لا يحول دون إعادة تحريك الدعوى العمومية مجددا متى تبين أن المتهم مازال على قيد الحياة ولا يمكن التمسك بمقتضيات الفصل 351 من ق م ج الذي يمنع متابعة كل شخص أبرئت ساحته أو حكم بإعفائه من أجل نفس الوقائع ولو اتصفت بصفة قانونية أخرى تأسيسا على أن التصريح بسقوط الدعوى العمومية لا يعتبر حكما باتا اكتسب قوة الشيء المقضي به . والأمر يختلف متى كان قد قضي ببراءته لعدم ثبوت الأفعال في حقه بدل القضاء بسقوط الدعوى العمومية إذ حتى ولو تبين أنه مازال حيا فانه يستفيد من مقتضيات الفصل 351 المشار إليها أعلاه لكون حكمها بالبراءة يكتسب قوة الشيء المحكوم به  وتتعذر إعادة محاكمته.

والملاحظ أن المشرع المغربي في الصيغة النهائية لمشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد 22.01 قد تخلى في الفصل 389 منه عن صياغة الفصل 381 من ق م ج بالقول ” عندما تصرح المحكمة بسقوط الدعوى العمومية بناء على أحد أسباب السقوط المنصوص عليها في المادة الرابعة من هذا القانون فإنها تبقى مختصة طبقا للمادة 12 للبت في الدعوى المدنية ”  إلا أنه رغم تخلي المشرع عن الصياغة الواضحة التي تؤيد اتجاه البراءة المدعمة بسبب من أسباب السقوط  فإن الفقرة الأولى من الفصل 389 من المشروع تبقى مبدءا عاما يمكن إعماله قبل إعمال أية قاعدة أخرى إذ جاء فيها ” إذا تبين أن المتهم لم يرتكب الفعل أو أن الفعل لا يكون مخالفة للقانون الجنائي فان المحكمة تصدر حكما بالبراءة  وتصرح بعدم اختصاصها للبت في الدعوى المدنية  وتبت عند الاقتضاء في رد ما يمكن رده …” .

نخلص من كل هذا أن القول ببراءة المتهم  تأسيسا على عدم ثبوت الأفعال في حقه أمرا محمودا وأفيد له من القول بسقوط الدعوى العمومية لأي سبب كان مادام أن المشرع لم يجعل من الأحكام القاضية بالسقوط أحكاما فاصلة في موضوع الدعوى العامة بدليل ما أشرنا إليه وبدليل المادة 12 التي تنص أن وقوع حوادث مسقطة للدعوى العمومية يترك الدعوى المدنية قائمة وتبقى خاضعة إلى اختصاص المحكمة الزجرية. والفصل 14 منه الذي ينص على أنه لا يتقادم حق الادعاء المدني إلا طبق القواعد المعمول بها في القضايا المدنية وإذا تقادمت الدعوى العمومية فلا يمكن إذ ذاك إقامة الدعوى المدنية سوى أمام المحكمة المدنية .

وعلى ضوء مقتضيات الفصل 14  يثار تساؤل مهم أيضا حول مدى حجية الأحكام الجنائية القاضية بالبراءة والمدعمة بسبب من أسباب سقوط الدعوى العمومية أمام القضاء المدني ؟ يبقى هذا التساؤل هو موضوع مقال لاحق إن شاء الله .

التعليق ( 1 )
  1. رجل قانون
    26 أبريل,2018 at 11:20

    هذا التعليق أو المقال كتب في ظل قانون المسطرة الجنائية القديم، ولكن تغير القانون لا يقلل من أهمية البحث ولا جرأة الأفكار التي جاءت فيه.

‎اضف رد