الدعاوى العقارية الناشئة عن العقود والدعاوى الناشئة عن التقييد بالرسم العقاري

  • الدكتـور حسـن فتوخ قاض بمحكمة النقض و أستاذ بالمعهد العالي للقضاء.

الجزء الأول: الدعاوى العقارية الناشئة عن العقود

ترتبط قيمة التقييد بالرسم العقاري بصفة عامة ارتباطا وثيقا بقيمة العمل والتصرف موضوع التقييد ويدور معه وجودا وعدما في الحكم، وفي الصحة والبطلان، كما أن التقييد وإن كان يحفظ الحقوق المقيدة ويضمنها ويقوم حجة على صحتها بين الأطراف، فإن ذلك كله رهين بأن يكون التصرف الذي كان سببا له تصرفا صحيحا. ومن ثم يمكن القول إن حجية التقييد لا تطهر العقد المقيد بالرسم العقاري من العيوب التي تطاله بين طرفيه. إذ يمكن لأي منهما أن يطالب بإبطاله، أو ببطلانه بناء على الأسباب القانونية الموجبة لذلك، والتشطيب على التقييد الذي تم بمقتضى العقد المصرح بإبطاله أو بطلانه بين طرفيه.

غير أن هذا النوع من الدعاوى العقارية لا يكون له أي أثر على البيانات الواردة بالرسم العقاري، ولا تسري بأثر رجعي إلا إذا تم تقييدها احتياطيا طبقا لنص المادة 13 من مدونة الحقوق العينية، لأنها دعوى عينية عقارية ترمي إلى إسقاط حق المالك المقيد بالرسم المذكور، في انتظار صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
ولعل أهم الإشكالات المطروحة في هذا الصدد تتعلق بتأسيس بطلان التصرف أو إبطاله على سبب إصابة أحد الطرفين بالجنون أو العته أو السفه، لا سيما وأن الطرف الآخر لا علم له بأتميته من عدمها عند التعاقد، الشيء الذي يطرح إشكالية تحديد تاريخ الإصابة بالخلل العقلي أو السفه مثلا من طرف المحكمة بناء على تقرير الخبرة المنجزة في الموضوع، حتى يتأتى ترتيب الآثار القانونية عن ذلك.

وإذا كان التقييد في حد ذاته ليس له تأثير على صحة التصرف، ولا تترتب عليه إزالة العيوب التي تطال السند الذي تم على أساسه، فإنه لا ينشئ لمصلحة صاحب الحق العيني المقيد بالرسم العقاري سندا قانونيا مجردا ومستقلا عن التصرف القانوني الذي استند إليه ذلك التقييد، على اعتبار أن حجية هذا الأخير بين المتعاقدين تقوم على قرينة قانونية بسيطة قابلة لإثبات العكس.

أولا: دعاوى البطلان والإبطال والفسخ.

يمكن لأحد أطراف العقد دون غيرهمالمطالبة أمام المحكمة المختصة محليا ونوعيا إما ببطلان العقد المقيد بالرسم العقاري أو إبطاله، أو فسخه مع ما يترتب عن ذلك قانونا من إبطال للتقييد المتعلق بالعقد المذكور عملا بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري والفقرة الأولى من المادة 2 من مدونة الحقوق العينية.
غير أن تحديد المركز القانوني الناتج عن التقييدات المؤقتة بالنسبة للمستفيد منها في مواجهة الطرف المتعاقد معه يفرض علينا بيان مدى الحجية التي يتمتع بها الحق المراد المحافظة عليه بالرسم العقاري.

ذلك أن النتيجة المباشرة للتقييد الاحتياطي أيا كان نوعه تتجلى في الاستفادة من مزية الأثر الرجعي في حفظ الحق منذ تاريخ إجرائه في حالة الاعتراف القضائي بالحق، أو عند التقييد النهائي، وذلك دون اعتبار لأية حجية للتقييدات اللاحقة له طالما أن المفعول القانوني لهذه الأخيرة يتوقف على مآل التقييد الاحتياطي السابق لها. أما في حالة العكس فإن التقييد الاحتياطي لن تكون له إلا القيمة القانونية للتصرف المستند عليه. فإذا ثبتت زورية الوعد بالبيع موضوع دعوى إتمام إجراءات البيع المقيدة احتياطيا في الرسم العقاري فإن حجيته تزول طبعا في مواجهة المتعاقد المنسوب إليه البيع بصدور حكم يقضي برفض الطلب. إذ اعتبرت محكمة النقض في هذا الإطار أن ثبوت زورية الوعد بالبيع المدلى به من طرف الموعود له بالبيع، يجعل المحكمة في غنى عن البحث في التدليس والغش الذي يدعيه هذا الأخير.

ثانيا: دعوى إتمام إجراءات البيع

كما أن عدم أداء الثمن من طرف المشتري أو عرض ما تبقى منه على البائع، يجعل دعوى إتمام إجراءات البيع غير مرتكزة على أي أساس، ويكون بالتالي التقييد الاحتياطي المستند على مقالها غير منتج لمفعوله القانوني.
ذلك أن محكمة النقض اعتبرت في أحد قراراتها أنه ” لا يجوز لأحد أن يباشر الدعوى الناتجة عنالالتزام إلا إذا أثبت أنه أدى أو عرض أن يؤدي ما كان ملتزما به. أو بعبارة أخرى، فإنه يجوز لكل متعاقد الامتناع عن الوفاء بالتزامه إلا إذا وفى المتعاقد معه بالتزامه المقابل، ما لم يوجد شرط بسبق أحدهما بالوفاء طبقا لمقتضى الفصلين 234 و235 من قانون الالتزامات والعقود. وبذلك فإن المحكمة حين قضت على البائع بإتمام إجراءات البيع دون أن يكون المشتري أدى أو عرض أداء ما تبقى بذمته من ثمن المبيع فإنها خالفت هذه القاعدة ولم تبن قرارها على أساس قانوني وعرضته للنقض”.
ومن جهة أخرى، فإذا وقع بيع عقار بعد تحفيظه وأشير في عقد البيع إلى رقم المطلب بدل رقم الرسم العقاري الذي أصبح العقار المبيع يحمله بعد تحفيظه، فإن ذلك يعد مجرد خلط بين رقم المطلب ورقم الرسم العقاري لا يعفي البائعة من وجوب تنفيذ التزامها بتسليم المبيع ونقل ملكيته إلى المشتري وذلك بالعمل على تصحيح الخطأ المادي الوارد بعقد البيع، وتضمينه رقم الرسم العقاري للعقار المبيع، الشيء الذي يترتب عنه تباعا إنتاج التقييد الاحتياطي لمقال الدعوى المرفوعة ضد المالك أثره القانوني في حفظ الحق بأثر رجعي منذ تاريخ إجرائه بالرسم العقاري. ومن ثم فقد اعتبرت محكمة النقض أن ” القرار المطعون فيه معللا تعليلا كافيا لما أشار إلى أن البيع ثابت بموجب عقد عدلي، وأن مجرد نفيه من طرف البائعة لا أثر له على صحة العقد ووجوده، وأوضح أن البيع وقع بعد التحفيظ، وخلص إلى إلزامها بتنفيذ التزامها تجاه المشتري “.

ثالثا: دعوى التحجير وأثرها على التصرفات العقارية.

يترتب عن ثبوت الخلل العقلي لدى الطرف المفوت بطلان عقود التفويت المبرمة من قبل هذا الأخير، وبالتالي إبطال التقييد الوارد بالرسم العقاري، وإرجاع المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، الشيء الذي يطرح إشكالية التاريخ المعتمد من طرف القضاء للتصريح بالبطلان، فهل يعتد بتاريخ ثبوت الخلل، أم من تاريخ الحكم بالتحجير ؟ أو بعبارة أخرى فهل يكتسي الحكم بالتحجير طبيعة إنشائية أم كاشفة ؟

وجوابا عن ذلك، فإن التاريخ الواجب اعتباره لترتيب جزاء البطلان المنصوص عليه في الفصل 306 من ق.ل.ع، هو تاريخ الإصابة بالخلل العقلي أو السفه أو العته عملا بمقتضيات المادة 220 من مدونة الأسرة. ومن ثم فإن الحكم الصادر بالحجر أو برفعه يعتبر كاشفا لحالة الشخص العقلية وليس منشئا لها، طالما أن فقدان العقل والسفه والعته يكون لصيقا بالشخص المعني بها، وأن المحكمة تقتصر على معاينة الخلل والتأكد من تاريخ ثبوته بناء على رأي أهل الخبرة وذوي الاختصاص في هذا المجال، لترتيب أثر البطلان على التصرفات المنجزة بعد التاريخ المذكور حسب ما استقر عليه قضاء محكمة النقض في هذا الاتجاه.

وبديهي، أن حجية التقييد الاحتياطي تسري بالنسبة للمستفيد منه في مواجهة ممن تلقى الحق منه فقط دون غيره، على اعتبار أن المشتري لعقار محفظ لا يستطيع تقييده بالرسم العقاري إذا كان البائع له غير مسجل لعقد شرائه، الشيء الذي يستلزم وجوب تقييد البيوعات السابقة عملا بمبدأ تتابع التسجيلات الذي يمنع انقطاع التسجيل، حتى يتأتى له تحويل تقييده الاحتياطي إلى تقييد نهائي للحق في مواجهة خلفه المباشر. وهو ما أكده محكمة النقض حينما اعتبرت أن كل حق عقاري يراد تقييده بالرسم العقاري، يجب أن يكون مفوتا مباشرة من صاحب حق سبق تقييده بالرسم المذكور، بحيث إذا كان حق عقاري محل تفويتات متعددة ومتوالية، فإن آخر تفويت لا يمكن تقييده قبل ما سبقه من تفويتات.

رابعا: المنع المؤقت من التفويت وأثره على التصرفات العقارية 

غني عن البيان، أن البائع لا يمكنه المطالبة بإبطال العقد المبرم بينه وبين المشتري استنادا إلى شرط في عقد شرائه مقرر لمصلحة سلفه، وبالتبعية إبطال التقييد الجاري بشأنه وأمر المحافظ بالتشطيب على اسم المشتري وتقييد اسم البائع كمالك للرسم العقاري. أو بعبارة أخرى فإن قيام متلقي الحق من الدولة ببيع العقار قبل مضي خمس سنوات المشترطة في العقد الرابط بينه وبينها والمقيدة للتصرف، لا يخوله إطلاقا الحق في المطالبة بإبطال العقد المبرم بينه وبين المشتري منه، طالما أن الحق المذكور مقرر لمصلحة غيره.

وقد اعتبرت محكمة النقض في هذا الإطار أن : ” الشروط الواردة في عقد البيع المبرم بين طالب النقض والدولة المغربية تنظم العلاقة بين هذه الأخيرة والمستفيد من البيع الذي التزم بمراعاة البنود التي ينص عليها عقد البيع وهي علاقة شخصية ومباشرة، ولذلك فإن البطلان الناتج عن المخالفة لبنود العقد والذي هو حق للبائع يعتبر بطلانا نسبيا لا يهم علاقة المشتري طالب النقض مع الغير. ومن تم فإن البيع المبرم بين طالب النقض والمطلوب في النقض يبقى قائما وصحيحا بين المتعاقدين ما دامت الإدارة التي يعنيها أمر المخالفة لم تستعمل حقها في بطلان البيع في مواجهة طالب النقض…”.

وتأسيسا على هذا الموقف القضائي، فإنه لا يحق للمحافظ العقاري أن يرفض تقييد عقد المشتري بعلة أن البائع ليس من حقه إجراء البيع قبل مرور خمس سنوات، وبالتالي ليس للبائع نفسه التمسك ببطلان هذا البيع، وذلك عملا بالقاعدة الفقهية القائلة أن ” من سعى لنقض ما تم من جهته، فسعيه مردود عليه “، وإنما يحق للدولة في هذه الحالة أن تعمد إلى إقامة الدعوى لإبطال ذلك العقد استنادا للشرط المدرج في عقد البيع، على اعتبار أن هذا الأخير مقرر لمصلحتها وحدها دون غيرها.

خامسا: مدى أحقية الكفيل العيني في مقاضاة المدين الأصلي للتحلل من الكفالة

غني عن البيان أنه من الثابت طبقا للقواعد العامة، أن أحقية الكفيل في مقاضاة المدين الأصلي للحصول على إبراء ذمته، لا تخوله إياه مقاضاته للتحلل من الكفالة. إلا أن المحكمة الابتدائية بالخميسات ذهبت خلاف ذلك حينما قضت ببراءة ذمة الكفيل العيني من التزام الكفالة والحكم على الدائن المرتهن بتسليمه نظير الرسم العقاري تحت غرامة تهديدية، فألغته محكمة الاستئناف بالرباط وبعد التصدي قضت برفض الطلب، وسايرتها في ذلك محكمة النقض معتبرة أن ” المحكمة بتعليلها لقرارها أن الفصل 1141 من ق.ل.ع يخول للكفيل مقاضاة المدين الأصلي للحصول على إبراء ذمته، أي ذمة المدين من التزامه. أي التزام المدين بأداء الدين المكفول من طرف الكفيل إذا كان في حالة مطل في تنفيذ التزامه. ولا يخول للكفيل مقاضاة المدين للتحرر من الكفالة كما قضى به الحكم المستأنف. فأسباب انتهاء الكفالة منصوص عليها بالفصول 1150 وما يليه من ق.ل.ع وهي نفس الأسباب التي تنقضي بها الالتزامات الأخرى كالوفاء والإبراء من الدين موضوع الكفالة الغير المتوفرة في النازلة. وأن الحكم المستأنف لما قضى ببراءة ذمة المدعي من الالتزام بالكفالة يكون قد وضع حدا لهذه بالإرادة المنفردة للكفيل في غياب طرف رئيسي في الكفالة وهو الشركة المقرضة…” تكون قد أوضحت مدلول الفصل 1241 ق.ل.ع وفسرته تفسيرا مطابقا لمدلوله وغير مشوب بأي خطأ”.

لجزء الثاني : الدعاوى الناشئة عن التقييد بالرسم العقاري

أولا: أثر المنازعة في الإنذار العقاري على مسطرة تحقيق الرهن.

تتوقف الحجية القانونية للحجز التنفيذي على العقار الذي يتم بناء على مسطرة تحقيق الرهن على عدم المنازعة فيه من طرف المدين الراهن. أما إذا نازع هذا الأخير في الإنذار العقاري وطلب بطلانه والتشطيب عليه من الرسم العقاري فإن الحجز أعلاه يفقد الحجية التي يتميز بها في مواجهته إذا قرر القضاء الاستجابة إلى الطلب.

وقد سبق للمحكمة الابتدائية بمراكش أن أكدت ذلك من خلال حكم تتعلق وقائعه بكون المدعية تقدمت بمقال تعرض فيه أنها تطعن في الإنذار العقاري ومسطرته الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بتاريخ 15-7-1994 ملف عقود مختلفة عدد 4614/94 والذي تم تحويله إلى حجز تنفيذي على عقار عدد 287/00 ملف مواصلة التنفيذ عدد 176/04 وأن مسطرة تحقيق الرهن الرسمي تبدأ بتوجيه الإنذار العقاري وتنتهي ببيع العقار المرهون. إلا أنه يمكن أن تكون محل طعون ومنازعات سيما تلك التي تنصب على الأداء وانقضاء الدين لاستخلاصه عن طريق مسطرة قانونية. وأنه عملا بمقتضيات الفصل 484 من ق م م يمكن أن تقام دعوى بطلان الإنذار العقاري للمنازعة في أي إجراء يمس الحقوق. وأنه انطلاقا من الفصل المذكور يمكن أن ترفع هذهالدعوى قبل إجراء السمسرة بل حتى بعد إرساء المزاد العلني، لا سيما وأن الفصل المذكور لم يحدد أي أثر فيما يتعلق بالمدة الزمنية مما يكون معه الطلب مقبولا لجهة الشكل. وموضوعا، فإن نازلة الحال تتمثل في كون العارضة سبق لها أن اقترضت من المدعى عليه أموالا لإنشاء مشروع سياحي هو عبارة عن وحدة فندقية سياحية من الدرجة الأولى الممتازة، وذلك بمقتضى عقود قرض حدد فيها شروطا لضمان الدين وقبلت العارضة رهن عقارها المحفظ المسمى فندق.. لفائدة المقرض – القرض العقاري والسياحي – كما قبلت إعطاء رهن على أصلها التجاري المشيد فوق العقار. وأن هذا لأخير قام بتحقيق الرهن، وتوصل إلى بيع الأصل التجاري عن طريق المزاد العلني، ثم واصل بعد ذلك إجراءات تحقيق الرهن بشأن العقار المحفظ المشيد فوقه الأصل التجاري، ولاحظت المدينة الراهنة أن ديونه قد استنفدت ولم تعد بذمتها أي دين لفائدته والتمست الحكم بإبطال الإنذار العقاري وكذا إجراءات الحجز التنفيذي المترتبة عنه والتشطيب عليها، وعلى الرهون من الرسم العقاري وأمر المحافظ بإجراء هذا التشطيب.

وبعد أمر المحكمة تمهيديا بإجراء خبرة حسابية في الموضوع تبث لها أن الدائن المرتهن قد استوفى جميع ديونه، وأنه هو المدين لها، فقضت وفق طلب المدعية استنادا إلى الحيثية التالية:
” وبناء على المعطيات السالفة الذكر يكون البنك قد استوفى جميع ديونه وعليه يبقى مدينا للمدعية بمبلغ (..). وعليه يتعين القول والحكم أن الإنذار العقاري الصادر بتاريخ 15يوليوز94 في إطار ملف الحجز العقاري عدد 287/00، وملف مواصلة التنفيذ عدد 176/04 أصبح غير مستند على أساس ويتعين بالتالي إبطاله، وإبطال إجراءات الحجز التنفيذي المترتبة عنه والتشطيب عليها من الصك العقاري عدد 24971/04 وأمر السيد المحافظ بإجراء هذا التشطيب.
وحيث إن طلب التشطيب على الرهون المسجلة بالصك العقاري لا مبرر له “.

ويلاحظ من خلال حيثيات الحكم أعلاه أن المحكمة رفضت الاستجابة إلى طلب التشطيب على الرهون من الرسم العقاري بعلة أنه لا مبرر له. في حين أنها خلصت بما ثبت لديها من تقرير الخبرة الحسابية أن الدائن المرتهن قد استوفى كل ديونها من المدينة الراهنة، وأن هذه الأخيرة هي التي أصبحت دائنة له، الشيء الذي يشكل تناقضا بين الحيثيات المذكورة.
ذلك أن حجية الإنذار العقاري، وباقي الإجراءات التالية له من حجز عقاري وغيره تدور وجود وعدما مع بقاء الطرف الراهن مدينا للطرف المرتهن. أما إذا ثبت للمحكمة بشكل يقيني انقضاء المديونية وتحقق الوفاء، فإنه ليس من المنطقي في شيء الإبقاء على الرهن مقيدا بالرسم العقاري، وكان على المحكمة أن تستجيب بالتالي لطلب المدينة الرامي إلى التشطيب عليه، وأمر المحافظ العقاري المختص للقيام بهذا الإجراء.

وبالموازاة مع ذلك، فإن حجية الإنذار العقاري وتحقيق الأثر المتوخى منه يتوقف على بقاء المدين الراهن في وضعية قانونية سليمة. أما إذا صدر بشأنه حكم بالتسوية القضائية فإن المحكمة التجارية لها صلاحية إبطال كل تأسيس لضمان أو كفالة إذا قام به المدين بعد تاريخ التوقف عن الدفع، الشيء الذي يمكن أن يفاجأ معه الدائن المرتهن بكون عقد الرهن المبرم مع المدين الراهن قد تم إبطاله بعلة أنه أبرم بعد تاريخ التوقف عن الدفع، فتضيع بالتالي حقوقه في الاستفادة من مزية استيفاء الدين المضمون عينيا بالأولوية على باقي الدائنين مع مراعاة رتبته بالرسم العقاري. إذ كيف يتسنى للدائن المرتهن معرفة ما إذا كان المدين المرتهن في حالة توقف عن الدفع أم لا، طالما أن عقد الرهن يتم إبرامه استنادا إلى البيانات الواردة بالرسم العقاري والتأكد فقط من علاقة المدين بمحل الضمان العيني. بل إنه وحتى إذا حصل أن صدر حكم بالتسوية في حق المدين أثناء مباشرة الدائن لمسطرة إجراءات تحقيق الرهن، فإن هذه الأخيرة توقف بقوة القانون، ويتعين على الدائن المرتهن التصريح بدينه داخل الأجل القانوني تحت طائلة سقوط الحق بشكل نهائي تجاه المدين المحكوم عليه بالتسوية القضائية، وفقدان الضمان العيني المخول إياه لحجيتة القانونية في مواجهة المتعاقد معه، وهو المدين الملتزم.

ثانيا: الأثر القانوني لتقييد مشروع نزع الملكية بالرسم العقاري

غني عن البيان أن التقييد المؤقت لمشروع نزع الملكية لأجل المنفعة العامة في الرسم العقاري طبقا للفصل 12 من ظهير 6 ماي 1982 الذي أحال على مقتضيات الفصلين 84 و 85 من ظهير 12 غشت 1913، من شأنه تحديد الأولوية فقط بين الحقوق المتعلقة بنفس العقار موضوع نزع الملكية، ولا يترتب عنه قانونا نقل ملكية العقار إلى السلطة المعنية، أي أنه لا يمنع المالك من التصرف في عقاره بالبيع مثقلا بالتقييد أعلاه طالما أن هذا الأخير يمكن أن ينتهي بنزع الملكية فعلا وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل في هذا الإطار، أو قد تستنكف الجهة النازعة عن عدم مواصلة إجراءات نزع الملكية فيؤول بالتالي التقييد الاحتياطي لمشروع نزع الملكية بالرسم العقاري إلى الزوال.

وقد أكدت محكمة النقض هذا الاتجاه، مكرسة بذلك القاعدة المنصوص عليها في الفصل 428 م ن ق م م()، ومفادها أن الأحكام القضائية تكون قابلة للتنفيذ خلال أجل ثلاثين سنة من يوم صدورها وتسقط بانصرام هذا الأجل، معتبرة أن هذا الجزاء التشريعي لا يقتصر على الأحكام الفاصلة في الجوهر فقط، بل يسري حتى على الأحكام التمهيدية، وذلك بمناسبة نزاع يتعلق بتحديد الأثر القانوني لتقييد مشروع نزع الملكية على الرسم العقاري. إذ جاء في معرض حيثياته أحد قراراتها ما يلي:
” ..تقييد مشروع نزع الملكية على الرسم العقاري ليس من شأنه نقل ملكية العقار إلى السلطة المعنية ولا يمنع المالك من التصرف في عقاره بالبيع. وأن مفعول هذا القيد يقتصر على تحديد الأولوية بين الحقوق التي قد ترد على العقار. أن القرار الصادر بنزع الملكية والذي لم يقع تسجيله على الرسم العقاري قد سقط مفعوله عملا بالفصل 428 من ق م م، وبالتالي فإن التقييد الاحتياطي المتعلق به والمقيد على الرسم العقاري يصبح غير ذي موضوع…”.

ويلاحظ من خلال حيثيات هذا القرار أنه ولئن كان طلب تقييد الحق بالرسم العقاري لا يخضع إجراؤه لأي أجل قانوني تحت طائلة تقادم الحق أو سقوطه، فإن جميع الأحكام التي تكتسب قوة الشيء المقضي به، متى كان موضوعها تأسيس حق عقاري أو نقله إلى الغير أو إقراره أو تغييره أو إسقاطه – كما هو الشأن في نازلة القرار أعلاه – تسقط بانصرام أجل ثلاثين سنة على عدم تقييدها في الرسم العقاري، ويحق بالتالي للمحافظ على الأملاك العقارية الامتناع عن تقييدها طالما أنها أصبحت فاقدة لقوة الشيء المقضي به، وغير قابلة للتنفيذ بعد مضي الأجل أعلاه، وعدم احتفاظها بماهيتها كسند تنفيذي.

وجدير بالذكر، أن المشرع تحدث عن أجل تقييد الأحكام القضائية دون الأوامر الرئاسية سواء كانت مبنية على طلب أو استعجالية، الشيء الذي يفيد أنها غير مشمولة بالأجل المنصوص عليه في الفصل 65 مكرر، على اعتبار أنها مجرد تقييدات قضائية مؤقتة غايتها المحافظة على الحق إلى حين إنجاز التقييد النهائي بالرسم العقاري. ومن ثم فإن تنصيص المشرع على أجل 30 سنة لتنفيذ الأحكام القضائية طبقا لنص مسطري عام وهو الفصل 428 من ق م م، يقيده أجل 03 أشهر الوارد في النص الخاص وهو الفصل 65 مكرر المعدل بمقتضى قانون 14.07، مع الإشارة إلى أن الجزاء مختلف في النصين المذكورين، فالأول يترتب عنه فقدان الحكم لقيمته القانونية كسند تنفيذي، وبالتالي سقوط حق المحكوم عليه في المطالبة بتنفيذه(). في حين أن الثاني ينتج عنه جزاء قانوني وهو أداء ذعيرة مالية.

ومن جهة أخرى، فالمشتري يحق له طلب إبطال عقد البيع العقاري الرابط بينه وبين البائع، وإبطال التقييد الذي استند عليه بالتبعية، بعلة أن القطعة الأرضية المبيعة المثقلة بارتفاق عدم البناء، وأن هذه الوضعية القانونية لم تنه إلى علمه بسبب عدم إشهار الخرائط الملحقة بالمقررات الإدارية من طرف الإدارة المعنية.
ولعل الحق في المطالبة بالإبطال ناتج من الحجية التي تتمتع بها البيانات الواردة بالرسم العقاري، إذ إن قرينة العلم بالتقييد لم تتحقق في الواقع طالما أن الجهة النازعة لم تبادر إلى تحيين وضعية العقار المحفظ موضوع نزع الملكية عن طريق إشهار الخرائط الملحقة بالمقررات الإدارية. ومن ثم يبقى الأصل في المتعاملين بشأن العقارات المحفظة هو عدم علمهم بالحقوق غير المقيدة من طرف أصحابها، ولا يمكن لهؤلاء مواجهتهم بها إلا من تاريخ التقييد.

ثالثا: مدى أحقية المدين المحجوز عليه في المطالبة بتحيين دفتر التحملات

كما أن المحجوز عليه يحق له المنازعة في الإجراءات المسطرية والمطالبة بالتصريح ببطلان الحجز التنفيذي، أو بتحرير دفتر جديد للتحملات من طرف كتابة الضبط التي تباشر إجراءات البيع بالمزاد العلني ينسجم مع المواصفات والشروط الجديدة التي أصبح يتمتع بها العقار، والتي من شأنها الرفع من قيمة العقار، وبالتالي طلب تعيين خبير لتحديد الثمن الافتتاحي للبيع الذي يتناسب مع المعطيات المشار إليها في دفتر التحملات الجديد. ومن ثم فإن التساؤل المطروح في هذا الشأن يتعلق بإمكانية استناد المحجوز عليه المدين، على رخصة إنجاز تجزئة عقارية بالعقار المحجوز، للتدخل في إجراءات الحجز العقاري ومطالبته بتحيين دفتر التحملات وكافة الإجراءات السابقة المنجزة من طرف كتابة الضبط ؟

نعتقد أن الاعتماد على مجرد مشروع لإحداث تجزئة عقارية لا يكفي للسماح للمحجوز عليه بتقديم دعوى ترمي إلى تغيير البيانات والمعطيات المضمنة بدفتر التحملات من طرف كتابة الضبط، على اعتبار أنه وحتى على فرض حصوله على الرخص والتصاميم، فإن ذلك لن يغير شيئا من طبيعة العقار المحجوز طالما أن ذلك لن يتم فعلا، وذلك بإحداث تغيير في هيأته من الناحية الواقعية، لأن التغيير الذي يطال وضعية العقار المبيع، هو الذي يجعل هذا الأخير يتحول من أرض عارية داخلة في المدار الحضري، إلى تجزئة عقارية، واستخراج رسوم عقارية فرعية خاصة بالقطع الأرضية وفقا القواعد والضوابط المنصوص عليها قانونا، الشيء الذي يتعين مع عدم الالتفات إلى ادعاءات المحجوز عليه لكونها غير جديرة بالاعتبار من الناحية القانونية.

رابعا: أثر النطام المالي للزوجين على العقارات المملوكة للأجانب بالمغرب

إذا كان الزوجين الأجنبيين مالكين على الشياع لعقار محفظ في المغرب، وانفصمت العلاقة الزوجية بينهما بموجب الطلاق الواقع بفرنسا، فإن حجية تملك كل منهما لنصيبه في العقار المذكور، لا تخوله الحق في طلب القسمة العينية أو التصفية أمام القضاء المغربي بعد الطلاق، على اعتبار أن تصفية وقسمة الذمة المالية للزوجين تجري تلقائيا من طرف القضاء الفرنسي الذي يعين في الحكم بالطلاق رئيس غرفة الموثقين أو من ينتدبه لإجراء عملية القسمة أعلاه. وقد سبق للمحكمة الابتدائية بمراكش أن قضت في نازلة بعدم قبول الدعوى معتبرة أن ” الطرفين معا فرنسيان وكانا متزوجين في إطار قانونهما الوطني وبالتالي فإن مصير أموالهما العقارية والمنقولة يخضع للقانون المذكور”.

خامسا: منع دعاوى القسمة العينية المتعلقة بأراضي الضم

خلافا للمبدأ العام المقرر في الفصل 978 من ق.ل.ع()، فإن العقارات المحفظة الواقعة ضمن منطقة ضم الأراضي، يمنع على المالكين لها على الشياع، طلب قسمتها عينيا إذا كان سيترتب عنها تأسيس قطع تقل مساحتها عن خمسة هكتارات. بل كل ما يمكن لهم هو طلب قسمة التصفية، وبيعها بالمزاد العلني على أساس الثمن الافتتاحي الذي يحدد الخبير المعين من طرف المحكمة التي تقضي بالقسمة المذكورة، إن كان لذلك موجب قانوني.

وقد أكدت محكمة النقض هذا الاتجاه معتبرة أن ” الحد من مقتضيات الفصل 978 من ق.ل.ع تقرر بمقتضيات النصوص المتعلقة بميثاق الاسثتمارات الفلاحية وبالأخص منها المتعلق بضم الأراضي الفلاحية بعضها إلى بعض، والظهير الشريف رقم 16929 الصادر في نفس التاريخ 10 جمادى الأولى 1389 موافق 15يوليوز1969 المتعلق بالحد من تجزئة الأراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري وأن مقتضيات هاته النصوص متعلقة بالنظام العام وأن هذه المقتضيات تمنع مؤقتا بيع الأراضي التي شملها مشروع الضم في انتظار إنجازه، والقسمة مثل البيع ترمي إلى تفتيت الأرض فهي ضد إرادة المشرع وكانت المحكمة وقد تحققت من أن أرض النزاع يشملها الضم ملزمة بتطبيق هذه المقتضيات ولو لم يطلبها الأطراف فتكون على صواب حين قضت بمنع القسمة في انتظار مشروع ضم الأراضي “.

كما أن محكمة النقض قد اعتبرت أيضا أن منع التفويت المنصوص عليه في ظهير 30 يونيو 1962 ليس منعا مطلقا، وإنما يعد منعا مؤقتا فقط ينتهي بالمصادقة على مشروع ضم الأراضي السقوية، بهدف تفادي ما قد ينتهي إليه المشروع من تغيير في وضعية العقارات المضمومة. ومن ثم فقد رتب على هذا التأويل عدم جواز احتجاج الطرف البائع بجزاء البطلان في مواجهة المشتري، وأضحى بالتالي هذا الأخير محقا في تقييد عقده بالرسم العقاري المعني بالنزاع.

‎اضف رد