ملكية الدولة للغابات – الطابع الغابوي – قرينة بسيطة على الملك قابلة لإثبات العكس

القرار عدد 256-8

الصادر بتاريخ 22-5-2018

في الملف رقم 1839-1-8-2016

 

القاعدة:

قرينة الأشجار طبيعية النبت المقررة لفائدة الدولة، قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس ما دام ظهير 1917 نفسه لم يقصر حق تملك الغابات على الدولة فقط وإنما اعتبر أن هناك غابات أخرى تجري على ملك الخواص والجماعات السلالية وأعطى للإدارة حق الإشراف والمحافظة عليها.

 

نص القرار

حيث يستفاد من مستندات الملف أنه بمقتضى مطلب تحفيظ قيد بالمحافظة العقارية بتطوان بتاريخ 17-03-1982 تحت عدد 5940-19، طلب صندوق الإيداع والتدبير في شخص مديره العام تحفيظ الملك المسمى ” بنتاسريس 21-26-38 ”، وهو عبارة عن أرض عارية، والكائن بمدشر الحومة جماعة تغرمت دائرة اجبالة، والمحددة مساحته في ثمانية هكتارات 34 آرا و 27 سنتيارا، بصفته مالكا له بالشراء العدلي المضمن أصله تحت عدد 225 والمحرر في 26-06-1965 من البائع له عبد السلام بن الحاج محمد، والذي كان يتملكه بالملكية المضمن أصلها تحت عدد 496 والمؤرخة في 28-10-1963.

وبتاريخ 04-06-1990 (كناش 06 عدد 115) قيد المحافظ على المطلب المذكور تعرض إدارة المياه والغابات مطالبة بكافة الملك لكونه ملكا غابويا.

وبعد إحالة ملف المطلب على المحكمة الابتدائية بتطوان وإجرائها معاينة، أصدرت بتاريخ 24-02-1997 حكمها عدد 13 في الملف رقم 21-94-10 بقبول التعرض شكلا ورفضه موضوعا ( هكذا)  فتم استئنافه من الدولة المغربية من معها بمقالين الأول بتاريخ 22-10-2003 والثاني بتاريخ 10-11-2003، فتح للاستئناف الأول الملف رقم 169-03 وللثاني الملف رقم 183-03،  وبعد ضم الملفين وإجراء محكمة الاستئناف معاينة بواسطة المستشار المقرر، أصدرت بتاريخ 02-10-2007 حكمها عدد 146 بعدم قبول الاستئنافين، وهو القرار الذي نقضه المجلس الأعلى بطلب من الجهة المستأنفة بقراره عدد 1211 بتاريخ 06-03-2010 في الملف رقم 4103-1-1-2008 وأحال الدعوى على نفس المحكمة للبت فيها من جديد بهيئة أخرى طبقا للقانون بعلة ” أنه يتجلى من نسخة القرار المطعون فيه المرفقة بمقال طلب النقض والمشهود بمطابقتها للأصل من طرف المكتب المدني التابع للمحكمة مصدرته أنه صدر عن هيئة مكونة من قاضيين فقط هما محمد الصغير رئيسا ومحمد اليعقوبي مستشارا مقررا، وبذلك يكون مخالفا لمقتضيات الفصلين 7 من قانون التنظيم القضائي و 345 من قانون المسطرة المدنية مما عرضه بالتالي للنقض والإبطال”.

وبعد الإحالة قضت محكمة الاستئناف بعدم قبول الاستئنافين المذكورين، وذلك بقرارها عدد 12 الصادر بتاريخ 14-02-2011 في الملف رقم 45-1403-10، والذي نقضته محكمة النقض بطلب من الجهة المستأنفة بقرارها عدد 3637 بتاريخ 28-08-2012 في الملف رقم 3046-1-8-2011 وأحالت الدعوى على نفس المحكمة للبت فيها من جديد بهيئة أخرى طبقا للقانون بعلة ” أنه طبقا للفصل 40 من ظهير التحفيظ العقاري الواجب التطبيق على إجراءات تبليغ الأحكام في مادة التحفيظ العقاري، قبل تعديله بالقانون 14.07، فإن الحكم يبلغ ملخصه إلى طالب التحفيظ وإلى جميع الأطراف في عناوينهم المختارة، و ينص في هذا التبليغ على أنه في الإمكان طلب الاستئناف داخل الأجل المقرر في الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية، وأن القرار لما لم يراع ما ذكر يكون خارقا للفصل 40 المذكور”.

وبعد الإحالة قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئنافين شكلا وبتأييد الحكم المستأنف موضوعا، وذلك بمقتضى قرارها المطعون فيه حاليا بالنقض أعلاه من الوكيل القضائي للمملكة ومن معه بثلاث وسائل؛

حيث يعيب الطاعنون القرار في الوسيلة الأولى بعدم الارتكاز على أساس قانوني وانعدام التعليل وخرق مقتضيات ظهير 10-10-1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها، ذلك أن إدارة المياه والغابات تمسكت في جميع مراحل الدعوى بكون الملك له طبيعة غابوية ويدخل في نطاق الفصلين الأول والثاني من الظهير المذكور كما تم تتميمه وتصحيحه بموجب ظهيري 1959 و 21-07-1960، وأن القرار استبعد ذلك بعلة أن هذا الظهير، ولئن كان يجعل من تواجد أشجار طبيعية النبت بأرض، قرينة على أنها ملك غابوي فإنها تبقى قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، والثابت من محضر المعاينة المنجز بالمرحلة الابتدائية والاستئنافية أن أرض النزاع جلها عارية بينما ثبت خلال المرحلة الاستئنافية أنه لا وجود لأي غابة طبيعية أو امتداد لها؛ غير أن هذا التعليل فاسد لاعتبارين، الأول أن الطبيعة الغابوية للعقار المدعى فيه تجعل منه ملكا غابويا مخزنيا، فهو كان في الأصل مكسوا بأشجار طبيعية النبت، وهذا ما أثبتته المعاينة المنجز ابتدائيا، وأن الدولة في إطار سياسة تحقيق التوازن بين مختلف المناطق المغربية وتشجيع الاستثمار وتنمية الأقاليم الشمالية، أنشأت الوكالة الخاصة “طنجة البحر المتوسطي” التي تم منحها بمقتضى المرسوم رقم 2.02.644 عدة امتيازات لتحقيق أهدافها، من بينها إخراج الأراضي اللازمة لقيامها بمهامها من الملك الغابوي، ولذلك فإن المحكمة لما لاحظت أن جل الأرض عارية ولا يوجد بها أية غابة أو امتداد لها فهو أمر طبيعي ما دام أن جميع الأرض موضوع المطلب هي بيد إدارة ميناء طنجة المتوسطي، وأن أغلب أجزاء القطعة المذكورة تغيرت معالمها بسبب الأشغال الجارية بالميناء، وفضلا عن ذلك فقد قام السكان المجاورون لهذا العقار بتغيير معالمه عن طريق قطع الأشجار والتعشيب للإيهام بأنها ليست ملكا غابويا، وأن هذه الأفعال لا يمكن أن تؤدي إلى خروج العقار من ملكية الدولة، الواقع بجبل بنتاسريس، المغطى بغابة طبيعية مخزنية ظلت مملوكة للدولة قبل أن تستولي عليها مجموعة من الأشخاص اقتنوا أجزاء منها من الخواص مع أن الملك الغابوي غير قابل للتفويت، وأن العبرة في إضفاء الطابع الغابوي على العقار بما كان عليه في الأصل وليس بما أصبح عليه بفعل ما ذكر، وقد كان على المحكمة أن تنتبه إلى هذه الأمور وتأخذها في الاعتبار، ولما لم تفعل فإن قرارها ناقص التعليل. أما الاعتبار الثاني، فإن ظهير 10-10-1917 يعتبر حجة كافية لتملك الإدارة للعقار، لأنه ينص في فصله الأول على أن جميع الأراضي المكسوة بالأشجار تعتبر غابة مخزنية وملكا للدولة، وأن الملك الغابوي غير قابل للتملك ولا للتصرف من طرف الخواص، وأن مقتضيات هذا الفصل تنطبق على النازلة، وأنه إذا ثبتت القرينة فإن الدولة تعفى من الإثبات وعلى خصمها إثبات العكس وهو ما لم يتم في النازلة بحيث كان عليه إثبات عدم قيام هذه القرينة وهو ما لم يحدث.

ويعيبونه في الوسيلة الثانية بخرق الفصلين 450 و 453 من قانون الالتزامات والعقود، ذلك أنه اعتبر الأشجار طبيعية النبت، مجرد قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، غير أن هذا التوجه مخالف للفصلين المذكورين لأن ظهير 1917 يعتبر سندا قانونيا للإدارة في تملكها لعقار النزاع، ولو فرضنا جدلا أن هذا الظهير يعتبر مجرد قرينة فإنها قرينة قانونية وفق الفصل 450 الذي يعرفها بأنها هي التي يربطها القانون بأفعال ووقائع معينة، وأن من تقررت القرينة لصالحه لا يكلف بالإثبات كما لا يقبل أي إثبات من الغير يخالف هذه القرينة طبقا للفصل 453 من نفس القانون.

ويعيبونه في الوسيلة الثالثة بخرق القانون ونقصان التعليل وفساده المنزلان منزلة انعدامه، في ثلاثة فروع، ففي الفرع الأول فإن الملك الغابوي غير قابل للتفويت ولا يمكن استخراجه إلا للمصلحة العامة، وأن القرار علل قضاءه بأن المطلوب في النقض اشترى الأرض موضوع المطلب منذ 1964 وظل يحوزها، غير أن هذا التعليل لا يستند على أساس ومخالف للقانون لأن الملك الغابوي لا يقبل التفويت وكل عمل مخالف لذلك يعتبر لاغيا لأن الفصل الثاني من الظهير ينص على أنه لا يمكن بيع الملك الغابوي المخزني ولا يتأتى استخراجه من النظام الغابوي إلا لفائدة المصلحة العمومية ويقع ذلك بموجب مرسوم، وأنه لا يوجد ضمن وثائق الملف ما يفيد استخراج عقار النزاع لفائدة المطلوب بل على العكس من ذلك فإن الدولة في إطار سياستها لتشجيع الاستثمار وتنمية الأقاليم الشمالية أنشأت وكالة خاصة ومنحها المرسوم سالف الذكر عدة امتيازات قصد تحقيق أهدافها من بينها استخراج الأراضي اللازمة لقيامها بمهامها من الملك الغابوي، وأن هذه الأرض والأراضي المجاورة لها كلها في الأصل ملك غابوي، وأنه وكما يتبين من القرار المطعون فيه أن جميع الأرض موضوع المطلب هي بيد إدارة ميناء طنجة المتوسطي وأن أغلب أجزائها تغيرت معالمها بفعل الأشغال الجارية بالميناء وهو ما يؤيد أنها تقع في عمق الغابة المخزنية وكانت مكسوة بأشجار طبيعية النبت من نوع الصنوبر إضافة إلى أشجار ثانوية من نوع الدرو والخلنج ولم تصبح عارية إلا بفعل الأشغال المنجزة بالميناء أو بسبب التعشيب وقطع الأشجار الذي قام به الخواص. وفي الفرع الثاني، فإن الملك الغابوي غير قابل للتملك بالحيازة، والقرار اعتبر المطلوب اشترى الأرض وحازها منذ سنة 1964 خلافا لهذه القاعدة والتي أكدت عليها المادة 261 من مدونة الحقوق العينية التي نصت على أنه لا تكتسب بالحيازة أملاك الدولة العامة والخاصة، ولذلك فإن الملك الغابوي لا يمكن تملكه على مجرد القول بأن المطلوب اشتراه وحازه من 1964 لأن حيازة الملك الغابوي لا تكسب الحائز صفة المالك. وفي الفرع الثالث، فإن من بين ما استدل به القرار المطعون فيه وجود عقارات في اسم الخواص تحيط بالعقار موضوع النزاع، غير أن هذا التعليل فاسد وغير مرتكز على أساس، لأنه لا يمكن اعتماد هذه الواقعة للقول بأن العقار ليس مخزنيا لأن المحكمة كان عليها الاقتصار على الحجج المقدمة لها بدون الالتفات إلى وقائع لا علاقة لها بموضوع النازلة، وأن ما تمسكت به الإدارة من حجج قانونية كاف للتصريح بصحة تعرضها، فالأشجار طبيعية النبت وموقع العقار بجبل بنتاسريس يعتبر قرينة كافية للملك، وأن وجود أملاك للخواص محيطة به لا يعد قرينة على عدم التملك، لأن لكل ملك خصوصياته وطبيعته، كما أن الاستيلاء على جزء من الملك الغابوي للدولة إن تم فعلا، لا يبرر السماح بالاستيلاء على بقية الملك الغابوي، مما يجعل القرار الذي اعتمد هذا التعليل غير مرتكز على أساس، وأنه متى ثبت أن الملك له طابع غابوي فإنه يعتبر كذلك ولو كان محاطا بأراضي الخواص.

لكن؛ ردا على الوسائل أعلاه مجتمعة لتداخلها، فإنه وبصرف النظر عن أن الطاعنة متعرضة وأنها هي المدعية المكلفة بإثبات استحقاقها للمدعى فيه بحجة قانونية، وأنها لم تثبت أن الجزء الأكبر من الأرض الذي وجدته المحكمة خلال المعاينة المنجزة ابتدائيا عاريا، قد تعرض للتعشيب بمتابعة المخالفين أو تحرير محاضر في هذا الشأن، وأنه بالنسبة للجزء الآخر الذي تبين أنه كان مكسوا بنبات طبيعي وشجيرات خلال المعاينة المذكورة، فإن الاقتصار فيه على القرينة المقررة لفائدة الدولة لا يكفي بعد أن استدل المطلوب في النقض على تملكه بشراء مبني على ملكية البائع له مستوفية لجميع شروط الملك المقررة قانونا، وأن القرينة المقررة لفائدة الدولة، والتي تتمسك بها الطاعنة، إنما هي قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس ما دام ظهير 1917 نفسه لم يقصر حق تملك الغابات على الدولة فقط وإنما اعتبر أن هناك غابات أخرى تجري على ملك الخواص والجماعات السلالية وأعطى للإدارة حق الإشراف والمحافظة عليها، وأنه لا مجال للاحتجاج في النازلة بعدم قابلية الملك الغابوي للتفويت ما دام أنه لم يثبت أصلا للمحكمة أنه جار على ملك الدولة، ولا بوجوده بيد الإدارة المشرفة على تهيئة ميناء الحوض المتوسطي لأن الدعوى الحالية تبت في استحقاق الطاعنة له في إطار تعرضها على مطلب تحفيظه، وأن تغير معالم العقار بصفة كلية لم يتم إلا بعد إنجاز المعاينة الابتدائية ولاحظته المحكمة خلال المعاينة المنجزة استئنافيا، ولذلك ولما للمحكمة من سلطة في تقييم الأدلة واستخلاص قضائها منها فإنها حين عللت قرارها بأنه ” ولئن كان ظهير 1917 المتعلق بالملك الغابوي يجعل تواجد أشجار طبيعية النبت بأرض قرينة على أنها ملك غابوي فإنها تبقى قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، والثابت من محضر المعاينة المنجز بالمرحلة الابتدائية والاستئنافية أن أرض النزاع جلها عارية، بينما ثبت خلال المرحلة الاستئنافية أنه لا وجود لأي غابة طبيعية أو امتداد لها، كما أن المستأنف عليه اشترى الأرض موضوع مطلب التحفيظ منذ سنة 1964 المبنية على ملكية البائع لسنة 1962، وأنه هو الحائز منذ شرائه، وبالتالي تبقى القرينة المتمسك بها من طرف المستأنفة غير كافية لإخراج الملك من يد حائزه ويبقى الحكم المستأنف فيما ذهب إليه مصادفا للصواب.”  فإنه نتيجة لكل ما ذكر أعلاه يكون القرار مرتكزا على أساس قانوني وغير خارق للمقتضيات المحتج بها ومعللا تعليلا سليما وباقي تعليله المنتقد يعتبر زائدا يستقيم القرار بدونه، والوسائل جميعها بالتالي تبقى غير جديرة بالاعتبار.

 

                          لهذه الأسباب                              

قضت محكمة النقض برفض الطلب وبتحميل الطاعنين المصاريف.

وبه صدر القرار وتلي بالجلسة العلنية المنعقدة بالتاريخ المذكور أعلاه بقاعة الجلسات العادية بمحكمة النقض بالرباط. و كانت الهيئة الحاكمة متركبة من السادة: العربي العلوي اليوسفي رئيس الغرفة ـ رئيسا. والمستشارين: جمال السنوسي ـ مقررا. وأحمد دحمان والمعطي الجبوجي والعربي حميدوش أعضاء. وبمحضر المحامية العام السيدة لبنى الوزاني وبمساعدة كاتبة الضبط السيدة أسماء القوش

‎اضف رد